باب في الرياء للوالدين ليرضيا وللعلماء ليستفيد به علما
قلت : فهل يجوز الرياء للعالم ليستفيد منه علما ، لا يريد بذلك دنيا ، ورياء الوالدين ليرضيا عنه ، يريد بذلك رضاهما ، ولا يريد بذلك دنيا ؟
قال : لا ، هذه أغلوطة وخدعة ؛ لأن اللّه عزّ وجلّ إنما أمرك أن تعمل له وحده وتريده وحده ، ورياؤك لتزداد علما خسران وجهل ، فكأنك قلت : أخسر عملا بازدياد علم ؛ لأن إرادتك أن يحمدك العالم ضدّ إرادتك أن يحمدك اللّه عزّ وجلّ ، فذلك يحبط عملك ، ولعلك لا تستفيد علما . ولعلك إن استفدته لن ينفعك اللّه عزّ وجلّ به بسوء إرادتك ، لما راءيت بعملك .
وليس رياؤك بالذي تزداد به علما ؛ إذ كان ما يصير إليك من العلم مقدورا ، راءيت أو أخلصت ، فإنه لا يصل إليك إلا ما قدّر لك ، وما لم يقدّر لك لن يصل إليك ، وما علم العالم بأنك تريده فيزيدك علما ، بل لو علم أنك إنما تريده لغيره لمقتك - وكنت أحرى أن يمنعك العلم « 1 » - لما ظهر له من سوء ضميرك ، فكيف تأمن اللّه عزّ وجلّ أن يمنعك ما تأمل من العلم ، لما يعلم من سوء ضميرك ، وإن أعطاك إياه منعك المنفعة به عقوبة ، فتكون إنما ازددت حجّة ولم تنل منفعة ، مع خسران العمل وحبطه وتعرضك للمقت .
وكذلك والداك : إنما تطلب رضاهما لرضى اللّه عزّ وجلّ ، وفي رضى اللّه عزّ وجلّ ترك الرياء له ، فكأنك قلت : أطلب رضى اللّه عزّ وجل بسخط اللّه عز وجل .
هامش
( 1 ) أي كنت أحرى أن يمنعك العلم من إرادة غير اللّه عز وجل من عالم أو غيره .