قال : هو معروف موجود إذا قررت أن الحامد للحق مطيع للّه عزّ وجلّ ، والذامّ للحقّ وأهله عاص للّه عزّ وجل ، فقد ثبت الفرقان بينهما في الحبّ والبغض ، وثبت المساواة بينهما لنفسه ، لا لربّه عزّ وجل ، إذا لم ينتفع بالحمد ولم يضرّ بالذمّ .
قلت : لابدّ من معنى تنصبه لي أعرف به كيف أفرق بينهما ، وأستدلّ به على ما يكون من طبع ، لما أجد في الحمد والذم ؟
قال : إن الذي يسوّي بينهما لنفسه قد يخالف بينهما لمنازعة النفس وخطر العدو ، ولكنه كاره لذلك ، رادّ على هواه وعدوه ، وقد يقوى ويعلو في الإخلاص ، حتى يأتي عليه بعض الحال يذمّ ويحمد فيها ، فلا يكاد أن يتغيّر طبعه لما قد قهر الطبع من قوة عزم العقل ونور الإخلاص ، وقد ينازع طبع هذا القوى في بعض الحالات ، إلا أنها منازعة ضعيفة ، لغلبة الصدق على قلبه ، ومن لم يقو فعليه المجاهدة والردّ على دعوى نفسه وعدوه ، ويسوي بينهما بعقله وعلمه ، وإن نازع الطبع إلى الخلاف بينهما ، حتى يعلو ويقوى ، فتخفّ المحن ويضعف دعاء الغريزة ويهن .
ولما ثبت أنه إذا سوى بينهما بعقله ، لما استودعه اللّه عز وجل من العلم بمعرفة الخلق والخالق ، كانا عنده سواء ، كما أمر وندب إليه ، ولم تضره منازعة نفسه إياه ، وكذلك إذا فرق بينهما في الحبّ والبغض لربه عز وجل ، وساوى بينهما لنفسه سلم وصدق .
قلت : فبم يعتبر ، حتى يعلم أنه قد صار إلى ما قلت ؟ إن التبس عليه وخاف أن يكون الفرقان بينهما للحبّ والبغض لنفسه ، وهي تدّعى أن ذلك لربه عز وجل .
قال : يعرض على قلبه : أن لو كان المحمود على الطاعة غيره ، والمذموم
الرعاية لحقوق الله — صفحة 355
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٣٥٥