باب ما يصح للعبد من غمه عندما يظهر للخلق من ذنوبه
قلت : هل يصحّ إذا اطّلع على بعض ذنوبي أن أغتم بذلك ، ولست أجد الغمّ يكاد ألا يعرى منه أحد ؟
قال : إن الغمّ فعل الطبع ، إذا ورد عليه ما يخالف طبعه فعرفت نفسه ذلك بعينه هاج الغمّ ، فالغمّ فعل الطبيعة . والطبيعة : الغريزة على ما وافق ولم يخالف من قول أو عمل أو غير ذلك ، فإذا هاج الغمّ عن الطبع كان الإخلاص والصدق أو الرياء والكذب عند ذلك ، حينئذ يدعو العدوّ والنفس إلى الجزع من زوال المنزلة عندهم ، وسقوط الشهادة وترك البرّ والتعظيم للطاعة ، فإن قبل ذلك وجزع لذلك فقد استعمل غمّه لما ينقصه في دينه ، وإن كان غمّه خوفا أن يهتك ستره في القيامة لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ما ستر اللّه ، عزّ وجلّ ، على عبد في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرة » « 1 » ، أو اغتمّ مما يعارضه طبعه مما امتحن به ؛ خوفا أن يشغل ذلك عقله عن اللّه عزّ وجلّ ، فقد أخلص وصدق .
وإن لم يستعمل واحدا من الأمرين ، وترك الغمّ الذي هو فعل الطبيعة ولم يستعمله ، لم يضرّه . ومن شغله الغمّ بعلم اللّه عزّ وجلّ بذلك الذنب عن الغمّ بعلمه ، فذلك أولى وأفضل ! ومن شغله الغمّ بعلمهم عن الغمّ بعلم اللّه عزّ وجلّ فذلك الخاسر !
* * * * *
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص 284 .