ويظلم الضعيف ذو الحاجات * وهو غنىّ قادر بالذّات
نهى عن الظلم ، وكيف يفعله ؟ * دعى إلى العدل ، فكيف يهمله ؟
عند غير الأشعري بقبحه ، فهو تعالى عن الظلم بريء . وامّا الأشاعرة ، فإنّهم لا يرون الحسن والقبح للأشياء بالعقل ، بل هما عندهم بالشّرع ، فما امر به الشّرع وندب إليه ، فهو حسن وما نهى عنه ، فهو قبيح عندهم .
ثمّ إنّ حكم العقل بنفي الظلم عنه تعالى من وجهين : أحدهما : بالنّظر إلى نفس الظلم ، فإنّه قبيح عند العقل ، وهو تعالى لا يجوز القبيح عليه ؛ ثانيهما : بالنّظر إلى ما يلازمه ، وامتناع ذلك في ذاته تعالى . وإليه أشرت بقولي :
وإنّما يظلم الضعيف العاجز عن استيفاء مراده بدون الظلم أو يظلم ذو الحاجات لدفع حاجته ، وهو تعالى غنىّ قادر بالذّات ، فلا يحتاج إلى الظلم ولا يعجز عمّا يريد بدونه .
[ امتناع الظلم في ذاته تعالى عقلا ، بالنظر إلى ما يلازمه ]
وقد يقبح العقل عليه الظلم بوجه آخر ، وهو أنّه تعالى نهى عن الظلم ، وفكيف يفعله ؟ وأيضا دعى إلى العدل وامر به فكيف يهمله ؟ ويقبح على الحكيم أن يأمر بشيء ثمّ يخالفه إلى غيره ، أو ينهى عن شيء ثمّ يأتي به ، وقد قبّح ذلك في كتابه بقوله :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ .
« 1 » وقوله :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ .
« 2 »
فامّا نهيه عن الظلم فكثير . من ذلك قوله :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ .
« 3 » وقوله :
وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً .
« 4 »
وامّا امره بالعدل ، فمنه ، قوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ .
« 5 » وقوله :
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ .
« 6 » وقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ .
« 7 »
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى .
« 8 »
هامش
( 1 ) . الصف 61 : 2 و 3 .
( 2 ) . البقرة 2 : 44 .
( 3 ) . آل عمران 3 : 57 .
( 4 ) . الانسان 76 : 31 .
( 5 ) . النحل 16 : 90 .
( 6 ) . النساء 4 : 58 .
( 7 ) . المائدة 5 : 8 .
( 8 ) . المائدة 5 : 8 .