تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الأمة إلى معارف الأئمة — صفحة 769

مساهمون:

ص٧٦٩
عنه أيضا أنّه قال : « حقيقة النّسخ ، انتهاء امد الحكم . » وتبعه في ذلك غيره ، ولازم هذا بعد الحكم بالاتّحاد القول ، بأنّ البداء أيضا انتهاء امد التقدير . وظنّى ، أنّه جرى في هذا التفسير على مقتضى فلسفته ، أو كان من فلتات غفلته ؛ إذ ليس مراده مجرّد انتهاء الأمد ، بل المراد انتهائه بحسب الجعل ، وهذا في الحقيقة انكار البداء وجعل الحكم من أوّل الأمر كالموقّت ، مقيّدا بالأجل ومحدودا بالأمد ، فلو كان المراد بالبداء عند الأئمّة ( ع ) هذا المعنى ، فهذا ليس ممّا ينازع في امكانه ، أو يقال أنّه يستلزم الجهل والخطاء والسّهو ، أو ينافي العلم الأزلي ، فإنّ بداهة تنوّع الأحكام وكذا الاقدار إلى نوعين : مطلقة ومؤجلة من الضرورة بحدّ لا مجال للارتياب فيه .

[ ما هو البداء المتنازع فيه ؟ ]

وانّما البداء المتنازع فيه ، هو التغيير المسبّب عن الأسباب الحادثة ، وتغيّر المشيّة وحدوثها ؛ اعني تبدّل المشيّة الأولى بالمشيّة الثانية الحادثة بعدها لا انتهاء امد المشيّة الأولى وابتداء فعليّة المشيّة الأخرى ، الّتي هي كالأولى حدوثا في مقام الانشاء ، وان كانت ذلك أيضا يستلزم الانتهاء ، الّا أنّ ذلك الانتهاء ليس عن انتهاء الأمد المجعول ، بل برفع المشيّة وتغييرها ، وهذا هو الّذي يشكل فهمه على غير الأوحدي ، ويصعب تصويره مصونا عن تلك المحاذير . وكيف كان ، فهما يختلفان أيضا في جهات أخرى ، من غلبة استعمال كلّ منهما في شيء ، والحكمة والمصلحة الداعية لكلّ منهما ، والسبب المقتضى لهما . وقد أشرت إليها بقولي :

[ البداء يكون في دفع القدر غالبا ]

ويغلب البداء بحسب الاستعمال في دفع القدر كالموارد المتقدّمة الّتي ذكرناها وكقوله تعالى :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ
« 1 » . فعن أبي بصير ، عن الصادق ( ع ) ، قال : « إنّ اللّه - تبارك وتعالى - قال لنبيّه :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
« 2 » ، أراد ان يعذّب أهل الأرض ، ثمّ بدا للّه فنزلت الرحمة ، فقال : ذكّر يا محمّد
فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
« 3 » . « 4 » وقد تقدّم مثله عن الباقر ( ع ) والرضا ( ع ) .
هامش
( 1 ) . الذاريات 51 : 54 . ( 2 ) . الذاريات 51 : 54 . ( 3 ) . الذاريات 51 : 55 . ( 4 ) . البحار 4 : 110 / 28 .
هداية الأمة إلى معارف الأئمة — صفحة 769 | ابو جعفر محمد جواد الخراساني