كلّ لحكمة ومقتض له * لولا اقتضى النّكال ما بدّله
* * *
[ النسخ يكون في رفع الحكم المستقر غالبا ]
وقد يكون البداء في الرفع أيضا كرفع العذاب عن قوم يونس . والنّسخ بعكس ذلك ، فغالب استعماله في الرفع لحكم استقرّ وعمل به مدّة ، كنسخ القبلة ونسخ الشرائع بعضها بعضا ، وقد يكون قبل وقت العمل ، فيكون دفعا ؛ كقوله تعالى :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ .
« 1 » فأوجب عليهم الجهاد الواحد مع عشرين ، ثمّ نسخه بقوله بعده
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ .
« 2 »
وقد يطلق النسخ على البداء ، ولعلّه من ذلك قوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها .
« 3 » وقد ذكر هنا الرفع والدفع معا . قال الباقر ( ع ) : « النّاسخ ما حوّل وما ينسيها ، مثل الغيب الّذي لم يكن بعد . » « 4 »
كلّ من البداء والنّسخ لحكمة في الجعل ، ومقتض للوقوع ؛ بمعنى ، السبب له بالخصوص ، ليس في غيره ؛ فإنّ البداء حيث يكون في التكوين ، فالحكمة والمصلحة فيه هي الحكمة والمصلحة التكوينيّة المقتضية للايجاد ، من اظهار القدرة والعظمة والتدبير وغيرها ، وأسبابه أيضا ما يناسب هذا الشّأن ؛ كالعدل والاحسان والظلم والعدوان مثلا .
والنّسخ حيث يكون في التكاليف ، فالحكمة فيه هي المصلحة النّوعيّة المرعيّة في أصل التكليف من العبوديّة ، ولا محالة تكون أسبابه أيضا ممّا يقتضي التدريب في الدرجات ، أو التخفيف في الحرجات .
ولكن ذلك في كلّ منهما لولا اقتضى النّكال من العقوبة والتأديب ما قد بدّله وغيّره ، وإلّا فهما يشتركان فيه ، فإنّه قد يكون النّسخ من العقوبة كتحليل الطيّبات على اليهود ؛ كما قال تعالى :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ .
« 5 »
وقد يكون البداء أيضا من العقوبة ومواردها كثيرة .
هامش
( 1 ) . الأنفال 8 : 65 .
( 2 ) . الأنفال 8 : 66 .
( 3 ) . البقرة 2 : 106 .
( 4 ) . البحار 4 : 116 / 42 .
( 5 ) . النساء 4 : 160 .