قال ( ع ) : يا سليمان ! إنّ من الأمور أمورا موقوفة عند اللّه - تبارك وتعالى - يقدّم منها ما يشاء ، ويؤخّر ما يشاء ، يا سليمان ! إنّ عليّا ( ع ) كان يقول : العلم علمان : فعلم علّمه اللّه ملائكته ورسله ، وعلم عنده مخزون لم يطّلع عليه أحدا من خلقه ، يقدّم منه ما يشاء ، ويؤخّر ما يشاء ، ويمحو ويثبت ما يشاء .
قال سليمان للمأمون ، يا أمير المؤمنين . لا انكر بعد يومى هذا البداء ، ولا اكذّب به ان شاء اللّه . » « 1 »
أقول : البداء كما قلنا ، هو مشيّة التغيير وتقدير على خلاف التقدير الأول ، فهو مشيّة ثانية عقيب المشيّة الأولى ، وان لم تكن متجدّدة لبداء الأمر ، كما تكون لنا والآيات الّتي استدلّ ( ع ) بها ، بعضها ظاهرة في تعدّد المشيّة وتعقيب الأخرى للأولى ؛ كقوله :
يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
« 2 » وقوله :
مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ
« 3 » وقوله :
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ
« 4 » بل وقوله :
يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
« 5 »
وامّا آيات خلق الانسان وخلق السّماوات والأرض ، فإنّ فيها ليست إلّا مشيّة واحدة ، ولكن الاستدلال بها ، مبنىّ على التحقيق دون الظاهر ، لأنّ حدوث الخلقة في الانسان أو غيره ، بعد ان لم يكن يستلزم عند التحقيق مشيّتين : « مشيّة قبل ان يكون على أن لا يكون ، ومشيّة حين إذ كان على أن يكون ، فالثانية واردة على الأولى ، فان كانت المشيّة حادثة ، فهما حادثتان ، وان كانت ازليّة ، فهما ازليّتان . والفرق بين الأولى والثانية في الحدوث والازليّة مكابرة ، وعلى ما بينت فوجه الاستدلال بالآيات ظاهر ، ولا يحتاج إلى تكلّف .
قال العلّامة المجلسي ( ره ) بعد نقل الحديث :
لعلّ استدلاله ( ع ) أوّلا بالآيات ، لرفع الاستبعاد عمّا هو مبنى البداء ، من أنّ للّه تعالى ان يحدث شيئا لم يكن ، ويغيّر ما قد كان خلاف ما زعمه اليهود ، ان يد اللّه مغلولة ، ولم يفرق ( ره ) في الآيات بين بعضها وبعضها في الدلالة ، وجعل أيضا بعضها
هامش
( 1 ) . البحار 4 : 95 / 2 .
( 2 ) . فاطر 35 : 1 .
( 3 ) . التوبة 9 : 106 .
( 4 ) . فاطر 35 : 11 .
( 5 ) . الروم 30 : 27 .