وبعد إمكان البداء يعتقد * عقلا إذ القدرة منه لا تحدّ
بل مقتضى كماله في قدرته * أن يثبت البداء في مشيّته
كذا اقتضا المشيّة المطلقة له * مشيّة التغيير فيما جعله
والحسّ بالوقوع فيما غيّره * يشهد بالبداء فيما قدّره
توجب الأولى عند فعلّيتها شيئا في العلم من زيادة أو تغيّر ، كذلك لا توجب الثانية عند فعليّتها تغييرا وانقلابا « 1 » .
[ مقتضى العقل وجود البداء إمكانا وثبوتا وإثباتا ]
وبعد إمكان البداء في ذاته ، وعدم استلزامه للمحال على ما قرّرنا ، يعتقد ثبوته عقلا ؛ إذ القدرة منه لا تحدّ في الممكنات ؛ فإنّ مشيّة التغيير نوع من المشيّة ، وهي ناشئة عن القدرة ، فإذا أمكنت في ذاتها ، ثبتت بمقتضى اطلاق القدرة الغير المحدودة ، بل مقتضى كماله تعالى في قدرته أن يثبت البداء في مشيّته ، وإلّا فهي ناقصة ؛ يعنى ، أن كمال القدرة ، بان يكون القادر ، قادرا على الشيء وعلى تغييره ؛ اى قادرا على وضعه ورفعه ، وقدرته تعالى كاملة ، كذا اقتضا المشيّة المطلقة له تعالى حيث يقول :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
« 2 » ، مشيّة التغيير له أيضا فيما جعله ، ولولا ذلك ، كانت مشيّته محدودة . هذا بمقتضى العقل ، امكانا وثبوتا .
وامّا اثباتا ، فهو تارة من حيث الوقوع ، وأخرى من حيث التقرير ، وهو بكلا قسميه حاصل . فإلى الأولى أشرت بقولي :
[ شهادة الوجدان بالبداء ]
والحسّ بالوقوع فيما غيّره تعالى ؛ اى احساسا وجدانا بوقوع التغييرات منه تعالى ، يشهد بالبداء فيما قدّره . فإنّا نرى بالوجدان وقوع الحوادث الغير العادية ، كالمطر في غير أوانه ، والحرّ أو البرد في غير زمانه ، وتبديل النّعم بالنّقم ، والنّقم بالنّعم ،
هامش
( 1 ) . الاشكالات كلّها مبنيّة على ازليّة المشيّة ، وامّا ان كانت حادثة ، فلا موجب لتحديدها بمشيّة واحدة سابقة على الأشياء كلّها ، بل يجوزان تكون له تعالى مشيّات : مشيّة وإرادة سابقة ، ومشيّة يحدثها لاحقة ؛ وكما أنّ المشيّة الأولى لا توجب في احداثها تغييرا في العلم والذات ، ولا يستلزم الجهل والنّسيان ، فكذلك الثانية ، والقدر المسلّم أنّ الأشياء مسبوقة بالعلم والمشيّة قبل خلقها . وامّا أنّ ذلك قبل خلق الجميع وقبل الشّروع في التكوين ، فلا ، بل الأشياء كلّها مسبوقة بالعلم الأزلي قبل تكوينها ، وبالمشيّة الحادثة أيضا قبل ايجادها ، ولكن كلّ موجود بمشيّته حادثة قبله ولو من غير فصل .
( 2 ) . هود 11 : 107 .