وليس يستلزم شيئا البداء * إذ البداء تغيير تقدير بدا
إنّ البداء قدر على قدر * مشيّة على المشيّات الآخر
مشيّة ثانية لا بادية * مع المشيّات بدت لا تالية
وإنّما أسبابها مؤخرة * وإذ بدت في الكون صارت ظاهرة
مشيّة التغيير والمحو بها * يمحو المشيّات لدى أسبابها
لو لم تكن مشيّة التغيير له * لكان موجبا لما قد جعله
كلّا ! ولا يحدّ في الشّائيّة * له مشيّة على المشيّة
[ الجواب عن هذه التوهّمات ]
وليس يستلزم شيئا من ذلك البداء ؛ إذ البداء تغيير تقدير بدا منه ، أوّلا إنّ البداء قدر على قدر ، ومشيّة أيضا على المشيّات الأخر ، وإرادة على إرادة ؛ كما اعترف به الرازي ، على ما حكى عنه ، قال : « فان قال قائل : ألستم تزعمون أنّ المقادير سابقة ، قد جفّ بها القلم ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو والاثبات ؟ قلنا : ذلك المحو والاثبات أيضا ممّا قد جفّ بها القلم ، فلا يمحو إلّا ما سبق في علمه وقضائه محوه » .
فهي إذن ، مشيّة ثانية بالنّسبة إلى الأولى رتبة لا بادية بعدها مجدّدة ، فهي مع المشيّات بدت ؛ اى ظهرت لا تالية بعدها ؛ يعنى ، أنّ بدئها من حين بدء المشيّات ، فان كانت المشيّة حادثة كما هو الحقّ ، فهي حادثة معها من حين حدوثها ، وان كانت ازليّة ؛ كما يقول بها غيرنا ، كانت ازليّة مثلها . وإنّما أسبابها ؛ يعنى أسباب هذه المشيّة ، مؤخرة عن أسباب غيرها ، وإذ بدت ؛ اى ظهرت وتحقّقت تلك الأسباب في الكون ، صارت ظاهرة في الوجود ، فبلحاظ ظهورها صارت رتبتها متأخّرة .
وان أحببت ان تعبر عن هذه المرتبة أو عن البداء بالمشيّة أيضا ، فقل : مشيّة التغيير والمحو ؛ وذلك لأنّه تعالى بها يمحو المشيّات الأوليّة لدى حصول أسبابها ، لا لهوا ولعبا ؛ فإنّ تغيير القدر ليس إلّا عن سبب وحكمة كما انّ أصله لا يخلو عن ذلك . لو لم تكن مشيّة التغيير له ، كما أنّ له مشيّة الاثبات ، لكان فاعلا موجبا لما قد جعله وقدره . كلّا ! ولا يحدّ تعالى في الشّائيّة ، كما لا يحدّ في قدرته ، بل له مشيّة على المشيّة ، وإرادة على الإرادة ، فعّال لما يشاء ، فعّال لما يريد .