والخلق في كلامهم خلق قدر * أو تبعا أو خلق ما به الأثر
كطينة خبيثة أو طيّبة * يهوى بها العبد إلى ما اكتسبه
من دون أن تكون ممّا قهره * بل جاز في الشّقاء أن يغيّره
أقول : معنى سبق العلم وجفّ القلم بهذه الأشياء ، أنّها من الحتميّات الّتي لا تتغيّر ولا تتبدّل .
وعن البزنطي عن الرضا ( ع ) ، قال : « سمعته يقول : جفّ القلم بحقيقة الكتاب من اللّه بالسّعادة لمن آمن ، وبالشّقاوة من اللّه لمن كذّب وعصى . » « 1 »
وعن البزنطي ، عنه ( ع ) أيضا في « النّطفة » : « وإذا تمّت الأربعة اشهر ، بعث اللّه - تبارك وتعالى - إليها ملكين ، خلاقين ، يصوّرانه ويكتبان رزقه واجله وشقيّا وسعيدا . » « 2 »
وعن أمير المؤمنين ( ع ) في « النطفة » : « ثم يبعث اللّه - عزّ وجلّ - ملك الأرحام ، فياخذها فيصعد بها إلى اللّه - عزّ وجلّ - ، فيقف منه ما شاء اللّه ، فيقول : يا إلهي ! أذكر أم أنثى ؟ فيوحى اللّه - عزّ وجلّ - من ذلك ما يشاء ، ويكتب الملك ؛ ثمّ يقول : إلهي أشقيّ أم سعيد ؟ فيوحى اللّه - عزّ وجلّ - من ذلك ما يشاء ؛ فيقول : اللّهم كم رزقه وما اجله ؟
ثمّ يكتب ، ويكتب كلّ شيء يصيبه في الدنيا بين عينيه ، ثمّ يرجع به فيردّه إلى الرحم ، فذلك قول اللّه - عزّ وجلّ - :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها
« 3 » . » « 4 »
[ والخلق في كلامهم ( ع ) إمّا بمعنى خلق القدر ، أو بمعنى خلق ما تحصل به السعادة والشقاوة ]
والخلق في كلامهم ( ع ) متى يوجد من ذلك ، امّا يراد به خلق قدر ؛ كما مرّ قول الرضا ( ع ) في خلق الأعمال : « انّها مخلوقة خلق قدر » « 5 » ، أو يراد أنّهما مخلوقتان تبعا لخلق ذات السّعيد والشقىّ ؛ فإنّه تعالى إذا كان خلقهما مع علمه بمآل أمرهما من السّعادة والشّقاوة ، فقد خلقهما أيضا بخلقهما ، فهو تعالى إنّما خلق السّعيد والشّقى ، لا أنّه خلق السّعادة في السّعيد والشّقاوة في الشّقىّ ؛ أو يراد به خلق ما به يحصل هذا الأثر ؛ اى ما هو داع ومحرّك له إلى حد الوصفين ، كطينة خبيثة أو طيّبة ، يهوى ويميل بها العبد إلى ما اكتسبه من السّعادة والشّقاء . وهذا من إرادة السبب من المسبّب ، من
هامش
( 1 ) . البحار 5 : 154 / 4 .
( 2 ) . المصدر 5 : 154 / 3 .
( 3 ) . الحديد 57 : 22 .
( 4 ) . البحار 5 : 154 / 6 .
( 5 ) . المصدر 10 : 364 / 2 .