وأمّا الأخبار فما منها اعتبر * ليس صريحا في الّذي له انتصر
منها الّتي دلّت باثبات القدر * وفي لزومه تقدّم النّظر
فإنّ الأفعال بالاختيار * مقدّرات لا على الإجبار
والقدريّة المجوس فرضا * بالقدر الإيمان لا الجبر قضى
والقلب بين إصبعيه إن يصحّ * فالحكم فيه من يحول يتّضح
الجواب عمّا استدلّ به من الأخبار على الجبر
وقد استدلّوا للجبر أيضا باخبار ، هي كالآيات غير صريحة ، مع أنّ كثيرا منها غير صحيحة . فلذلك قلت :
وأمّا الأخبار ، فما منها اعتبر ، ليس صريحا في المعنى الّذي له انتصر بها ، وامّا غير المعتبر منها ، فيكفي في دفعها عدم اعتبارها ، وان لم اكتف بذلك ، بل ساويت بينها وبين غيرها في الجواب ، كما ساويت بينها في الذكر .
[ منها : ما دلّ باثبات القدر والمشيّة ]
منها : الّتي دلّت باثبات القدر ، وهي الّتي تقدّمت في أنّ كلّ شيء تمسّك بها الأشاعرة ، ما تواتر معناه من الأحاديث الدالة بلازم القدر على ما زعموا ، وفي لزومه تقدّم النّظر بالتفصيل . فإنّ الأفعال بالاختيار من العبد مقدّرات عليه ، لا على الإجبار ، ومحض كون الأفعال بالتّقدير ، لا يستلزم ان يكون التقدير بالقهر والاضطرار .
[ ومنها : قول النبي ( ص ) : القدرية مجوس هذه الأمة ]
ومنها : قول النبىّ ( ص ) : « القدريّة مجوس هذه الامّة . » « 1 » والقدريّة المجوس في قوله ( ص ) ، إنّما فرضا بالقدر الإيمان ؛ يعنى ، أوجب الإيمان به ، لا الجبر قضى ؛ اى لم يقض بالجبر ؛ يعنى ، أنّ غايته لزوم الإيمان بالقدر . وامّا أنّه كيف يكون قدر الأفعال ؟
فلا دلالة صريحة في لفظه ، ولا استلزام للجبر في معنى القدر .
[ ومنها : قلب المؤمن بين إصبعي الرحمن ]
ومنها : المنقول : « قلب المؤمن بين اصبعى الرحمن . » « 2 » والقلب بين إصبعيه إن يصحّ سندا ، فالحكم فيه من الّذي قلنا في يحول بين المرء وقلبه ، يتّضح . وقد ينقل بهذه العبارة عن النّبيّ ( ص ) : « قلوب العباد ، بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلّبها
هامش
( 1 ) . البحار 5 : 6 / 4 .
( 2 ) . البحار 75 : 48 / 9 .