وممّا استدلّ به قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .
« 1 »
والجواب عنه ما قلت : أمّا قوله : « فمنكم كافر » ، فأخبر بأنّ بعض خلقه قد كفر به ، امّا في الذرّ ؛ كما جاءت به روايات ، أو في دار الاختيار ؛ وايّهما كان ، فلا صراحة فيه بأنّه كان عن قهر واجبار ، فليك منهم ذاك باختيار ؛ امّا في الذر ، فقد تقدّم في الفطرة بأنّ اللّه تعالى جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه ، وامّا في هذه الدار فاعطاء قوى الاختيار ممّا لا يقبل الانكار .
وممّا استدلّ به قوله : وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
ولا يخلو الاستدلال به عن تحريف ، لأنّه استدلال بجزء الكلام وتمام الآية يوضح المراد ، قال تعالى :
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ .
« 2 » فهو ظاهر فيما قضى اللّه به من المقدرات التكوينيّة ؛ كما قلت :
واللّه غالب على من دافعه فيما قضى وقدر ، فإنّ الغلبة ، لا تكون إلّا مع المدافعة ، ولا مدافعة للخلق مع الخالق إلّا بمدافعة القضاء ، بتسبيبات خلقيّة من البغى والمكر والخدعة وغيرها ، كإخوة يوسف الصدّيق حيث فعلوا به ما فعلوا ، فأرادوا ان يدافعوا به ما قدره اللّه تعالى له . فالآية في الغلبة على امره من التكوينيّات على من نازعه وخاصمه فيها ، لا على ما شرعه ؛ فإنّه ظاهر أنّه لا يغلب على من خالفه في شرعه مع كثرة المخالفين ، بل يذرهم في خوضهم يلعبون ويمهلهم ؛ كما قال :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً .
« 3 » فمفاد هذه الآية ، مفاد الآية الأخرى الّتي أشرت إليها بقولي : ما يفتح اللّه فلا ممسك له ولا لما يمسكه من أرسله وهو قوله تعالى :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
« 4 »
هامش
( 1 ) . التغابن 64 : 2 .
( 2 ) . يوسف 12 : 21 .
( 3 ) . الطارق 86 : 17 .
( 4 ) . فاطر 35 : 2 .