فكان ردّ من أبى أن يومنا * قلوبنا غلف يقول موقنا
وتزهق أنفسهم لمن طغى * خذلانه خزيا به حيث بغى
أمّا فمنكم كافر فأخبرا * بأنّ بعض خلقه قد كفرا
في الذرّ أو في دار الاختبار * فليك منهم ذاك باختيار
واللّه غالب على من دافعه * كإخوة الصدّيق لا ما شرعه
ما يفتح اللّه فلا ممسك له * ولا لما يمسكه من أرسله
* * * على وجه التفسير لها : « لا يستيقن القلب انّ الحقّ باطل ابدا ولا يستيقن انّ الباطل حقّ ابدا . » « 1 »
وقال ( ع ) أيضا : « أبى اللّه ان يعرّف باطلا حقّا ، أبى اللّه ان يجعل الحقّ في قلب المؤمن باطلا لا شكّ فيه ، ولو لم يجعل هذا هكذا ، ما عرف حقّ من باطل . » « 2 »
فكان هذا القول منه تعالى ردّ من أبى أن يؤمن ، مدّعيا العلم بأنّ ما يدعوه إليه النّبيّ ( ص ) غير حقّ ، فهو يقول : « قلوبنا غلف » ، أو يقول :
ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ
، يقول ذلك مظهرا أنّه يكون موقنا به ؛ فقال اللّه تعالى :
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
« 3 » ولا تقولوا انّا نعلم أنّ ما تدعونا إليه ليس بحياة ، أو ليس من اللّه
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
« 4 » ان يعلم أنّ الحقّ باطل ، أو يعلم أنّ الباطل الّذي يعتقده حقّ لا شبهة فيه ، ولولا أحد هذين المعنيين لا يحصل ارتباط بين الجملتين ولا مناسبة بين الأمر بالاستجابة والمنع عن ارادتها .
[ ومما استدل به ، قوله تعالى : . . . إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
]
وممّا استدلّ به قوله :
فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ .
« 5 »
والجواب عنه ، ما قلت : وامّا تزهق أنفسهم ، فهو لمن طغى وآثر الحياة الدنيا يكون خذلانه تعالى وايكاله ايّاه إلى نفسه ، لا جبره على الكفر ، وذلك خزيا به حيث بغى ، فيكون الخذلان جزاء عن بغيه وسوء عمله وليخزى الفاسقين .
هامش
( 1 ) . البحار 70 : 58 / 34 .
( 2 ) . المصدر 5 : 303 / 12 .
( 3 ) . الأنفال 8 : 24 .
( 4 ) . الأنفال 8 : 24 .
( 5 ) . التوبة 9 : 55 .