وكتب الإيمان ككتب الغلبة * لا يوجب القهر على ما كتبه
وإذ رميت دلّ أنّه رمى * فالنّفى أنّ رميه ما هزما
بل رمى ربّه الّذي قد نثره * وإن أبوا فذا مقام نصره
وكيف كان ، من هذا أو ذاك أو المطلوب الاصلىّ العام ، ليس على نحو يكون جبرا ما فعل ، بحيث يكون مسلوب الاختيار .
ودعوى أنّ جعلها منه تعالى في العبد على هذا النّحو الخاصّ ، ليست الّا مجازفة من غير دلالة كاشفة .
وأيضا كتب الإيمان ، ليس إلّا ككتب الغلبة في الآية المتقدّمة عليها ، وهي قوله تعالى :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي . »
« 1 » ، لا يوجب القهر على ما كتبه ، فإنّ غلبته تعالى وغلبة الرسل ، لم يكتب على وجه القهر وسلب الاختيار ، بل على وجه الجهاد الاختياري ، فكذلك الإيمان .
[ ومما استدل به ، قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
]
وممّا استدلّ به ، قوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى .
« 2 » حيث نفى الرمي عن النّبي ( ص ) ، مع أنّه رمى ، وليس ذلك إلّا من جهة أنّ الرامي الحقيقي وفاعل الرمي في الحقيقة ، ليس إلّا اللّه .
وقد أجبت عنه بقولي : وإذ رميت دلّ أنّه ( ص ) رمى لنسبة الرمي إليه ، فالنّفى في قوله « وما رميت » ، معناه أنّ رميه ما هزما القوم ؛ يعنى ، أنّ الهزيمة المقصودة من الرمي ، لم تكن برميك ، بل رمى ربّه هزمهم ، فإنّه تعالى رمى ، ورميه هو الّذي قد نثره وكثّره ، حتّى أصاب العيون كلّها ، على بعد جلّهم لولا كلّهم عن مرمى رسول اللّه ( ص ) .
وإن أبوا عن ذلك ، فذا مقام خاصّ ، نصره اللّه تعالى فيه ؛ يعنى ، أنّه لمّا أراد اللّه نصره ، جعل كفّه آلة لرميه ، وليس إذا اقتضى مقام خاصّ شيئا ان يقاس به كلّ مقام .
[ ومما استدل به ، قوله تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
]
وممّا استدلّ به ، قوله تعالى :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
« 3 » وانّ فعل العبد ممّا يريده ، فيكون فاعلا له دون العبد .
هامش
( 1 ) . المجادلة 58 : 21 .
( 2 ) . الأنفال 8 : 17 .
( 3 ) . هود 11 : 107 .