وقوله ما تعلمون قد عنى * ما كان منه ينحتون الوثنا
بل تعلمون تنحتون قد نفى * كذمّهم أن يعبدوا ما حرّفا
ونسبة الطاعات والإيمان * إليه للتّوفيق الامتنانيّ
زيادة على الّذي قد أوجبه * أو حسن تأييد على ما طلبه
وربّما كان جزاء من عمل * وكيف كان ليس جبرا ما فعل
[ استدلالهم بقوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
]
وممّا استدلّ به ، قوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
« 1 » ، وهو عندهم صريح في خلق الأعمال ، لأنّ المعنى : خلقكم ، وخلق ما تعملون .
والجواب عنه ، ما قلت : وقوله :
« ما تَعْمَلُونَ »
، قد عنى به ما كان منه ينحتون الوثنا من الأحجار والأخشاب ، لا افعال العباد من كلّ ذي صلاح أو فساد ، بل قوله « تعلمون » وتنحتون قد نفى كذمّهم أن يعبدوا ما حرّفا ؛ يعنى ، أنّ هذا التحريف الّذي ارتكبوه في قوله « وما تعملون » بصرفه عن موضعه ، قد نفاه قوله « تعملون » و « تنحتون » و « تعبدون » من نسبة العمل والنّحت والعبادة إليهم ، وظاهر النّسبة حقيقة وكذا ذمّهم على عبادتهم ، ولا يتمّ الذمّ إلّا على أن يكون الفعل فعلهم حقيقة ولا يكون حقيقة ، الّا إذا كان الفعل من خلقهم لا من خلق اللّه .
[ استدلالهم بما دلّ على نسبة الايمان والطاعات إليه تعالى ]
وممّا استدلّ به ، ما دلّ على نسبة الإيمان والطاعات إليه تعالى جعلا وكتابتا ، كقوله :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ .
« 2 » ، وقول إبراهيم :
وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
« 3 » ، وقوله :
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي .
« 4 » ، وقوله :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
« 5 » ، وقول زكريّا :
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
« 6 » .
والجواب عنه ، ما قلت : ونسبة الطاعات والإيمان إليه تعالى للتّوفيق الامتنانيّ التفضّلي ، امّا زيادة على الّذي قد أوجبه بالتّكليف أو حسن تأييد على ما طلبه ، من إعانة وامداد وتثبيت وتسديد . فبهذا الاعتبار يكون الايمان والطاعات مسؤولا منه تعالى ، ومكتوبا ومجعولا له . وربّما كان هذا التوفيق الزائد جزاء من عمل قد عمله العبد .
هامش
( 1 ) . الصافات 37 : 96 .
( 2 ) . المجادلة 58 : 22 .
( 3 ) . البقرة 2 : 128 .
( 4 ) . إبراهيم 14 : 40 .
( 5 ) . إبراهيم 14 : 35 .
( 6 ) . مريم 19 : 6 .