فإنّ خلق كلّ شيء ظاهر * في غير ما من العباد صادر
والشيء عمّ مطلقا لكن يخصّ * بالحكم المقتضى في كلّ نصّ
مع أنّه بيّن عن مراده * في نسبة الخلق إلى عباده
وفي القمر :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ .
« 1 »
[ وردّت بأنّ المراد من الشيء أجناس الموجودات في الأرض والسماء وما بينهما ]
ولا دلالة فيها على المطلوب ؛ فإنّ خلق كلّ شيء ظاهر في غير ما من العباد صادر ؛ يعنى ، أنّ المراد به أجناس الموجودات على اختلافها في السّماء والأرض وما بينهما ، والشيء وان كان عمّ مطلقا ، لكن يخصّ بالحكم المعلّق عليه حسب المقتضى في كلّ نصّ ؛ فإنّ الشيء على اطلاقه ، يعمّ اللّه تعالى نفسه وعلمه وسائر صفاته الذاتيّة ، ويشمل الممتنعات مع أنّ قوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
وقوله :
عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
لا يشملانها قطعا ، وليس إلّا لأنّ الشيء مخصّص بمقتضى الحكم ، فإنّ الخلقة والقدرة ، لا تتعلّقان به تعالى ولا بالممتنع .
وامّا افعال العباد ، فانّها وان لم تكن كالممتنعات ، الّا أنّ قرينة المقام ( وهي المخاطبة مع المشركين والاحتجاج على المعاندين ) ، أوجبت ظهور الشيء في الأجناس وانصرافه عن غيرها . فراجع سياق الآيات ليظهر لك حقيقة ما قلنا . ولو تنزّلنا عن دعوى الانصراف والظهور ، فلا اقلّ من الاحتمال ، ومعه فلا صراحة يعوّل عليها في مقام الاستدلال .
مع أنّه تعالى بيّن عن مراده في نسبة الخلق إلى عباده ؛ كقوله :
أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ .
« 2 » وقوله :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ . . .
« 3 » وقوله :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ .
« 4 » . وقوله :
أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ .
« 5 »
فهذه النّسبة الصريحة ، تدلّ على عدم انحصار اطلاق الخالقيّة به تعالى ، فالانحصار المفهوم من قوله
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
، مخصوص باجناس المخلوقات الّتي لا يقدر غير الخالق على ايجادها .
هامش
( 1 ) . القمر 54 : 49 .
( 2 ) . آل عمران 3 : 49 .
( 3 ) . المائدة 5 : 110 .
( 4 ) . المؤمنون 23 : 14 .
( 5 ) . الصافات 37 : 125 .