إذن ، ففي العاصي مشيّتان له * مشيّة عزميّة أن يفعله
مشيّة كونيّة أن يخلفه * لا عن رضا وإن له أن يصرفه
وقد يرى ذلك في أفعاله * فيكره الشّيطان مع إمهاله
ويبغض الكافر وهو يخلقه * ويمقت الفاجر وهو يرزقه
لحكمة قضت ظهور رحمته * أو غيرها من قدرة ونقمته
ثمّ إذا تغيّرت مشيّته * لم يتغيّر علمه وقدرته
إذ علّق العلم على المشيّة * قدرته غدت به جليّة
وفي كتابه هدى لو يتّبع * إذ قال لو شاء لآمنوا جمع
وجاء من أمثاله في الباب * ما يهتدى به أولو الألباب
* * *
[ للعاصي مشيتان : مشية عزمية ، ومشية كونية ]
إذن ، ففي العاصي ثبتت مشيّتان له تعالى : إحداهما مشيّة عزميّة طلبيّة أن يفعله ، والأخرى ، مشيّة كونيّة حتميّة أن يخلفه ويعصيه ، ولكن لا عن رضا منه تعالى ، وقد امضا ذلك له ، وإن كان له أن يصرفه ؛ اى وان كانت له قدرة ذاتيّة على صرفه عن العصيان ، وقد يرى ذلك ؛ اى عدم الرضا بالشيء مع مشيّته واردته في أفعاله تعالى أيضا . فيكره الشّيطان مع إمهاله ايّاه ، ويبغض الكافر وهو يخلقه مع علمه السّابق بانّه سيكفر ، ويمقت الفاجر ، وهو يرزقه على فجوره ويبقيه ، وذلك لحكمة قضت ظهور رحمته أو غيرها من قدرة ونقمته ، فقد خلق المؤمن والكافر لئلّا يتوّهم أنّه يعجز عن خلق الفاسق ، وأنّه لا يقدر إلّا على خلق المجبول على طاعته ، كالملائكة ، وأنّه يخلق الجميع ليظهر رحمته العامّة ونقمته الخاصّة باهله . وهكذا في وجود كلّما هو مبغوض له تعالى حكمة ، تقتضى ايجاده وابقائه من ظهور الصفات .
[ تغير مشيته بمشيته الأخرى لا يلزم تغير علمه وقدرته الأزليين ]
ثمّ إذا تغيّرت مشيّته بمشيّة أخرى ، لم يتغيّر علمه وقدرته الأزليّتان ؛ إذ علّق العلم على المشيّة كما تبيّن ، فإذا كان عالما في الأزل بأنّه لو شاء ان يغيّر ما شاء لفعل لم يكن في تغييره مهما حصل ظهر خلاف ما علم به من الأوّل وقدرته غدت به ؛ اى بالتغيير جليّة ؛ يعنى ، أنّ التغيير لا ينافي القدرة اقتضاء ، بل هو ممّا يظهرها جلاء ، وفي كتابه المنزل على نبيّه ( ص ) :
هُدىً لِلنَّاسِ
« 1 » في هذا المعنى لو يتّبع ، إذ قال لو شاء لآمنوا جمع ، إشارة إلى قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ
هامش
( 1 ) . البقرة 2 : 2 .