تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الأمة إلى معارف الأئمة — صفحة 693

مساهمون:

ص٦٩٣
وعلمه بالفعل غير ملزم * للعبد إن كانت بلا تحتّم
إذ بعده المجال للمشيّة * فشأنه الترخيص في القضيّة
والعلم بالمشيّة المحتمّة * لم يلزم إلّا ما هي المستلزمة
فإن يكن جبر كما توهّموا * فهو بحتم لا بعلم لازم
ولم يشاء لعبده فيما اكتسب * تحتّما إلّا تحتّم الطلب
إذ شرّع الحكم لكلّ ما سعى * والجبر والتكليف لن يجتمعا
والحتم في وقوعه معلّق * أيضا على اختياره لا مطلق
وامّا علمه بافعال العبد ، فيكون من حيث كونه معلّقا على المشيّة على وجهين ؛ كما قلت :

[ علمه تعالى بافعال العباد غير ملزم للعبد ]

وعلمه بالفعل ؛ اى بفعل العبد ، غير ملزم للعبد إن كانت المشيّة بلا تحتّم ، إذ بعده ؛ اى بعد العلم المجال للمشيّة ، لأنّ علمه به لم يكن على وجه التنجيز ، فشأنه على هذا الترخيص في القضيّة ، تكوينا أو تكليفا ، دون الجبر والإلزام ، والعلم بالمشيّة المحتمّة لم يلزم إلّا ما هي المستلزمة له ؛ اى لا يؤثّر العلم اثرا زائدا سوى ما أوجبه الحتم ، فإن يكن جبر كما توهّموا ، فهو بحتم لا بعلم لازم ، لأنّ العلم معلّق على المشيّة ، والأشياء كلّها مسبّبات عنها لا عنه ، خلق الأشياء بالمشيّة . فالمشيّة ان كان حتميّة ، اثّرت اثر الايجاب ، ولم يشاء اللّه تعالى لعبده فيما اكتسب تحتّما إلّا تحتّم الطلب ؛ يعنى ، أنّه تعالى لم يجعل لنفسه في افعال العبد الاكتسابيّة مشيّة حتميّة غير الطلبيّة ؛ إذ شرّع الحكم لكلّ ما سعى ؛ كما قال تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى .
« 1 » فقد جعل لكلّ فعل من افعاله حكما من الأحكام الخمسة . والجبر والتكليف لن يجتمعا معا ابدا ، وحيث ثبت التكليف من عنده ، فلا يمكن تحتّم الفعل عليه ، تحتّما ، تكوينيّا ، قهريّا ، يسلبه الاختيار كافعاله الغير الاختياريّة ، والحتم في وقوعه إطاعة أو عصيانا ، معلّق أيضا على اختياره لا مطلق ، فهو وان كان بحسب المشيّة التكوينيّة حتميّا ، الّا أنّه حتمىّ الوقوع اختياريّا لا قهريّا ؛ يعنى ، أنّ اختياره له محتوم عليه .
هامش
( 1 ) . النجم 53 : 39 و 40 .