والحتم لا ينافي الاختيارا * إذ حتّم الوقوع لا الإجبارا
وإن ترد زيادة البيان * فاعلم هديت أنّ للرّحمن
علم وقدرة مشيّة قضاء * إرادة إذن ومحو ما قضى
وإنّ من أنكر واحدا كفر * والمؤمن الّذي بكلّها أقرّ
وإنّما أتى الخطاء والغلط * لمن سها بالأخذ بالعلم فقط
وعلمه لو كان بالجبر قضى * فما سواه نفى جبر اقتضى
وما سوى القدرة منها حادثة * والحادث القابل أن لا يحدثه
سلب الاختيار عمّن قد فعل ، فان هذا ليس من شأنه ، والحتم لا ينافي الاختيارا ، من حيث هو حتم ؛ إذ حتّم الوقوع للفعل لا الإجبار عليه ، إذ ليس الجبر والاختيار من آثار الحتم ، بل ممّا يتعلّق بهما الحتم ، فان تعلّق بالجبر كان الجبر محتوما ، وان تعلّق بالاختيار كان الاختيار محتوما ، فهو لا يقتضي بنفسه شيئا . وقد اتّضح بما قرّرنا بطلان هذه الشّبهة تحقيقا .
[ زيادة إيضاح في بطلان هذه الشبهة ]
ومع ذلك ، إن ترد زيادة البيان في توضيح البطلان ، فاعلم :
هديت إلى الحقّ والرشاد ، أنّ للرّحمن - تبارك وتعالى - صفات متعدّدة ، كلّها من مبادى الخلق والتكوين على ما تقدّم ، وكلّها دخيلة في صدور الفعل منه تعالى ، أو من عباده ، وهي علم وقدرة ومشيّة وقضاء ( والمراد به ما يعمّ القدر أيضا ) وإرادة وإذن ومحو ، ما قضى كلّ ذلك ملحوظ قبل كون الأشياء ، وقبل فعل العباد ، وإنّ من أنكر واحدا منها ، كفر كما تقدّم .
والمؤمن البالغ الصادق ، هو الّذي بكلّها أقرّ ، دون العلم فقط ، لأنّ الإيمان بالصّفات ، كالايمان بالذّات شرط في الايمان الحقيقي . وإنّما أتى الخطاء والغلط لمن سها هذا السّهو القبيح ، بالأخذ بالعلم فقط ، وترك غيره من الصفات المبادى ، فاخذ بلازم العلم ، وذلك أيضا على حسب زعمه وتوهّمه ، وغفل عن الباقي ولوازمها ، فابتلى بهذه الشّبهة الّتي لم يتمكّن من التخلص منها .
وعلمه لو كان بالجبر قضى على زعمهم بما قرّروه من عدم جواز تخلّفه ، فما سواه من القدرة والمشيّة والإرادة والقضاء ، نفى جبر اقتضى لاحتمالها للتبدّل . وأيضا ما سوى القدرة منها حادثة ، وتقدّم الكلام في حدوثها ، ومن الدليل على حدوثها أيضا ، جواز التغيير والتبدّل فيهما ، والحادث هو القابل امكانا أن لا يحدثه ، لأنّ معنى