مؤمنين عارفين ، وبشهوتهم الكفر اختاروا الجحود ، فكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلّالا ، وذلك بتوفيق اللّه لهم ، وخذلان من خذله اللّه ، فبالاختيار والاكتساب عاقبهم اللّه وأثابهم . » « 1 »
أقول : لا يتوّهم من قوله ( ع ) « وليس للعباد فيهما صنع » مع قوله بأنّهما مخلوقان للّه ، أنّه يوافق مذهب الأشاعرة ، من أنّ افعال العباد مخلوقات للّه تعالى ، يخلقها عند إرادة العبد ، بل المقصود ، نفى كونها بالخصوص من صنع العباد بحيث يصنعون في أنفسهم ما يشاءون من المعرفة والجحود ، وانّما الّذي من صنع العباد أسبابها ، وهما من خلق اللّه عند وجود أسبابها الاختياريّة ، لكن لا على وجه السببيّة والمسببيّة والعلّة والمعلوليّة ، بل على وجه الاقتضاء ؛ نظير خلق الشفاء والدعاء ، عند استعمال السمّ والدواء ، وقد تقدّم بيان ذلك .
وعن فقه الرضا : « اروى أنّ رجلا سأل العالم ( ع ) ، فقال : أليس انا مستطيع لما كلّفت ؟ فقال ( ع ) : ما الاستطاعة عندك ؟ قال : القوّة على العمل ، قال له ( ع ) : قد أعطيت القوّة ، ان أعطيت المعونة ، قال له الرجل : فما المعونة ؟ قال : التوفيق ، قال : فلم اعط التوفيق ؟ قال ( ع ) : لو كنت موفّقا ، كنت عاملا ، وقد يكون الكافر أقوى منك ، ولا يعطى التوفيق فلا يكون عاملا ، ثمّ قال ( ع ) : اخبرني عنك ، من خلق فيك القوّة ؟ قال الرجل :
اللّه - تبارك وتعالى - ، قال العالم : هل تستطيع بتلك القوّة دفع الضرر عن نفسك ، واخذ النّفع إليها بغير العون من اللّه - تبارك وتعالى - ؟ قال : لا ، قال : فلم تنتحل ما لا تقدر عليه ، ثمّ قال ( ع ) : اين أنت من قول العبد الصالح :
وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ
« 2 » ؟ « 3 »
أيضا فقه الرضا ( ع ) : « واروى أنّ رجلا سأل العالم : اكلّف اللّه العباد ما لا يطيقون ؟ فقال : كلّف اللّه جميع الخلق ما لا يطيقون ان لم يعنهم عليه ، فان أعانهم اطاقوه ، قال اللّه - عزّ وجلّ - :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
« 4 » . « 5 »
أقول : لولا استشهاده ( ع ) بالآية ، لكان الأظهر منه حمله على المعونة بالأسباب دون معونة التوفيق .
هامش
( 1 ) . البحار 5 : 30 / 39 .
( 2 ) . هود 11 : 88 .
( 3 ) . البحار 5 : 42 / 68 .
( 4 ) . النحل 16 : 127 .
( 5 ) . البحار 5 : 54 / 95 .