والمسلم البالغ إن يحسن جرى * بحمده وإن أساء استغفرا
ثمّ له اللّطف بتوفيق المشاء * وذاك فضل اللّه يؤتى من يشاء
فالعدل في تسوية المئونة * والفضل بالتّوفيق والمعونة
والمنع خذلان بمن عصاه * وليس في خذلانه إكراه
طاعتي ، وبسوء ظنّك بي قنطت من رحمتي ، فلى الحمد ، والحجّة عليك بالبيان ولى السّبيل عليك بالعصيان ، ولك الجزاء عندي بالاحسان ، لم ادع تحذيرك بي ، ولم أخذك عند غرّتك ، هو قوله :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ
« 1 » ، لم اكلّفك فوق طاقتك ولم أحملك من الأمانة إلّا ما أقررت بها على نفسك ورضيت لنفسي منك ما رضيت به لنفسك منّى . » « 2 »
وعن الرضا ( ع ) ، قال : « كان عليّ بن الحسين ( ع ) إذا ناجى ربّه ، قال : اللّهم يا ربّ انّما قويت على معاصيك بنعمك . » « 3 »
[ المسلم المؤمن إن يحسن يحمد اللّه وإن يسيء يستغفره ]
والمسلم البالغ ؛ اى الّذي بلغ حدّا من الإيمان إن يحسن جرى لسانه بحمده ، لأنّه يرى ربّه أولى باحسانه ، وإن أساء استغفر ، لأنّه يرى ذنوبه منه . وفي الحديث المتقدّم عن حريز عن الصادق ( ع ) ، ورجل يقول : « إنّ اللّه - عزّ وجلّ - كلّف العباد ما يطيقون ، ولم يكلّفهم ما لا يطيقون ، فإذا أحسن حمد اللّه ، وإذا أساء استغفر اللّه ، فهذا مسلم بالغ . » « 4 »
ثمّ ؛ اى بعد هذه التسوية بين عباده بالاستطاعة العامّة ، له تعالى اللّطف الخاصّ لبعض عباده ؛ كما قال تعالى :
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
« 5 » . وذلك بتوفيق المشاء له ، وبتوفيقه للمشاء
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .
« 6 »
وعلى هذا ، فالعدل في تسوية المئونة للتّكليف بين عباده ، والفضل بالتّوفيق والمعونة ، يتفضّل بها على من يشاء ، والمنع ؛ اى منع الفضل ، خذلان بمن عصاه ، والخذلان هو التخلية بينه وبين ما يريد ، وليس في خذلانه إكراه واجبار : فعن إبراهيم بن أبي محمود ، قال :
هامش
( 1 ) . النحل 16 : 61 .
( 2 ) . البحار 5 : 93 / 13 .
( 3 ) . المصدر 5 : 7 / 5 .
( 4 ) . المصدر 5 : 9 / 14 .
( 5 ) . البقرة 2 : 105 ، آل عمران 3 : 74 .
( 6 ) . الحديد 57 : 21 .