يريد شيئا غير ما نهواه * وليس إلّا ما يريد اللّه
وليس إذ أعطاه الاستطاعة * يمنعه عن ردّه لطاعة
بل لو يشاء صدّه عمّا غوى * وحال بينه وبين ما نوى
وليس مجبرا له لو لم يحلّ * ولا بمغر إذ هداه بالرّسل
ولا بأن خلّاه إذ لم يقبل * تحذيره أدخله في العمل
وأيضا فإنّ اللّه تعالى يريد شيئا غير ما نهواه ، وليس إلّا ما يريد اللّه ، فلا بدّ في الاستطاعة النّفس الأمريّة من موافقة مراد العبد لمراد اللّه . قال أمير المؤمنين ( ع ) :
« أوحى اللّه إلى داود ، يا داود ! تريد وأريد ، ولا يكون إلّا ما أريد ، فان أسلمت لما أريد ، أعطيتك ما تريد ، وان لم تسلم لما أريد ، اتعبتك فيما تريد ، ثمّ لا يكون إلّا ما أريد . » « 1 »
وليس إذ أعطاه اللّه الاستطاعة ، يمنعه ذلك عن ردّه لطاعة ؛ اى يكون هو تعالى بحيث لا يقدر على ردّه إلى طاعته عند إرادة العبد الفسوق والخروج إلى عصيانه ، كما أنّ قضائه وقدره لا يمنعانه عن انفاذ قدرته في العبد ولا في افعال نفسه وارادته ؛ بل لو يشاء صدّه عمّا غوى ؛ اى يصدّه عن غوايته ؛ على أن تكون ما مصدريّة ، أو عمّا غوى به ، على أن تكون موصولة ؛ اى يصدّه عمّا هو سبب غوايته .
[ لو شاء اللّه أن يحول بين العبد وبين ما نوى لفعل ]
وكذلك لو يشاء ، حال بينه وبين ما نوى ؛ كما قال تعالى :
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ .
« 2 » وليس مجبرا له لو لم يحلّ ، ولا بمغر ايّاه ، إذ هداه بالرّسل ولا بأن خلّاه ونفسه ، إذ لم يقبل تحذيره الّذي بلغه على السن رسله ، كان قد أدخله في العمل . قد تقدّم قول الرضا ( ع ) : « وان ائتمروا بمعصية ، فشاء ان يحول بينهم وبين ذلك فعل ، وإذا لم يحل وفعلوه ، فليس هو الّذي ادخلهم فيه . » « 3 »
وعن الفضل ، عن أبي عبد اللّه ( ع ) ، قال : لا جبر ولا تفويض ، ولكن امر بين امرين ، قلت : ما امر بين امرين ؟ قال ( ع ) : مثل ذلك ، مثل رجل رأيته على معصية فنهيته ، فتركته ، ففعل تلك المعصية ، فليس حيث لم يقبل منك فتركته أنت الّذي امرته بالمعصية . » « 4 »
هامش
( 1 ) . البحار 5 : 104 / 28 .
( 2 ) . الأنفال 8 : 24 .
( 3 ) . البحار 5 : 16 / 22 .
( 4 ) . المصدر 5 : 17 / 27 .