وفيما سأل الزنديق أبا عبد اللّه ( ع ) : « اخبرني كيف لم يخلق الخلق كلّهم مطيعين موحّدين ، وكان على ذلك قادرا ؟ قال ( ع ) : لو خلقهم مطيعين لم يك لهم ثواب ، لأنّ الطاعة إذن ، ما كانت فعلهم ، ولم تكن جنّة ولا نار ، ولكن خلق خلقه ، فامرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته ، واحتجّ عليهم برسله وقطع عذرهم بكتبه ، ليكونوا هم الذين يطيعون ويعصون ، ويستوجبون بطاعتهم له الثواب ، وبمعصيتهم ايّاه العقاب . » « 1 »
[ الاستطاعة نوعان : استطاعة في التكليف ، واستطاعة في القدر ]
ثمّ اعلم : إنّ الاستطاعة ، استطاعتان : استطاعة في التكليف ، واستطاعة في القدر ؛ وبعبارة أخرى : ما يحصل به القدرة على أداء التكليف ، وينجز به عليه وما يحصل به القدرة على فعل الأشياء مطلقا ، تكليفا أو غيره بملاحظة القدر ؛ يعنى ، موافقة المشيّة وعدم موافقتها ، وحيث لم يميّز أصحابنا المتأخرون عن زمن الأئمّة ( ع ) ورواتهم بين النّوعين ، ذهب فهمهم إلى الخطأ ، في فهم الأحاديث المختلفة عنهم ( ع ) في الاستطاعة نفيا واثباتا ، حتّى لجأ بعضهم إلى حمل ما سنذكره منها على التقية ، لموافقته بزعمه للأشاعرة ، ومذهب أكثر أهل السنّة ، مذهب الأشعري . وقد غفل عن أنّ الأشعري متأخّر عنهم ( ع ) بكثير ، والأكثريّة إنّما حصلت بعده لا قبله ، وإنّما دخل عليهم الوهم لعلّة ممارستهم أهل الكلام والفلسفة ، وانس ذهنهم بالاصطلاحات المستحدثة ، وقصر النّظر على ما هو المعهود بين المتكلّمين من تخصيص النّزاع بخصوص المعتزلة والأشاعرة .
وكيف كان ، فقد عرفت في صدر المبحث أنّ المفوّضة ، وهم منكرو القدر ، نوعان : مفوّضة مطلقة ، وهم الّذين ينكرون القدر أصلا ، ومفوّضة في التكليف ، وهم أكثر المعتزلة حذرا عن الجبر ؛ وكلا النوعين يقولون بالاستطاعة ، لكن المطلقة حيث ينكرون القدر رأسا ، يقولون بالاستطاعة المطلقة من غير تقييد بموافقة القدر ؛ اى العلم والمشيّة ، والمفوّضة في التكليف يقولون بها في خصوص التكليف .
[ وعندهم ( ع ) أنّ القدر والاستطاعة معا في التكليف وغيره ]
وامّا أهل البيت ( ع ) ، فإنّهم يقولون بالقدر والاستطاعة معا في التكليف وغيره ، وحيث إنّ الاستطاعة تنافى القدر بزعم النّاس وتقابلها ، ولذا افترقوا فرقتين بين النّفى والاثبات ، فسّروها ( ع ) بما لا ينافيه من حصول الأسباب والشّرائط ؛ ولكن فرّقوا فيها بين ما هو شرط في تنجّز التكليف وتحقّق الاختبار والبلوى فقط ، وما هو دخيل في
هامش
( 1 ) . البحار 5 : 18 / 29 .