وليس هذا يقتضي جبر القضاء * فإنّ من بعد القضا كيف قضى
ومحض تقدير على المختار * ليس بسالب للاختيار
إذ قدّر الفعل على مختاره * لعلمه السّابق باختياره
وليس غير قادر خلاف ما * قدّره لو لم يكن محتّما
هو تعالى عنه ، بان يغيّر المشيّة ، وذلك في غير المحتوم وليس هذا يقتضي بنفسه جبر القضاء ؛ يعنى ، القدر ، فيكون العبد في فعله مجبورا بجبر القدر عليه . فإنّ من بعد القضا ، كيف قضى ؟ يعنى ، أن الجبر لا يتمّ بمجرّد القدر حتّى يعلم أنّ الّذي قدّره ، كيف قدّره ؟ فإن كان قدّر الفعل على وجه الجبر ، اقتضى الجبر ، وان كان قدّر على وجه الاختيار ، اقتضى الاختيار دون الجبر .
[ محض تقدير الفعل من اللّه تعالى ليس بسالب للاختيار ]
ومحض تقدير الفعل من اللّه تعالى على الفاعل المختار ، ليس بسالب للاختيار منه ، بحيث يجعل المختار مسلوب الاختيار ؛ إذ قدّر الفعل ؛ اى وقوعه على مختاره ؛ اى قدّر عليه وقوع الفعل وحصوله على حسب اختياره لعلمه السّابق باختياره . فعن فقه الرضا ( ع ) :
« إنّ اللّه تعالى لم يجعل لهم هوى وشهوة ولا محبّة ولا مشيّة ، الّا فيما علم أنّه كان منهم ، وانّما يجرون في علمه وقضائه وقدره على الّذي في علمه وكتابه السّابق فيهم ، قبل خلقهم ، والّذي علم أنّه غير كائن منهم ، هو الّذي لم يجعل لهم فيه شهوة ولا إرادة . » « 1 »
وقال الصادق : « إنّ اللّه خلق الخلق ، فعلم ما هم صائرون إليه ، وامرهم ونهاهم ، فما امرهم به من شيء ، فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به ، وما نهاهم عنه ، فقد جعل لهم السّبيل إلى تركه ولا يكونون آخذين ولا تاركين ، الّا باذن اللّه - عزّ وجلّ . » « 2 »
وعن موسى بن جعفر ( ع ) أيضا مثله ، وزاد فيه : « وما جبر اللّه أحدا من خلقه على معصيته ، بل اختبرهم بالبلوى ؛ كما قال تعالى :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
« 3 » . » « 4 »
[ العبد قادر على مخالفة التقدير غير الحتمي ]
وأيضا ليس غير قادر خلاف ما قدّره لو لم يكن محتّما ؛ يعنى ، أنّ الّذي ينافي الاختيار ، إنّما هو الحتم دون مجرّد التقدير ، وقد مرّ قول أمير المؤمنين ( ع ) لمن سأل عن مسيره إلى أهل الشام حيث قال ( ع ) : « مهلا يا شيخ ! لعلّك تظنّ قضاء حتما وقدرا
هامش
( 1 ) . البحار 5 : 54 / 90 .
( 2 ) . المصدر 5 : 37 / 55 .
( 3 ) . هود 11 : 7 ، الملك 67 : 2 .
( 4 ) . البحار 5 : 26 / 32 .