فالعبد يختار بما أقدره * وكلّما اختار ، فمما قدّره
بل نفس الاختيار أيضا بالقدر * إذ هو ذا الخيار كوّن البشر
قدّر أن يختار ما قد اشتهى * بقدرة وشهوة ملّكها
والقدر اقتضى تحقّق العمل * إذ لا يجوز الخلف لولا أن عدل
ومن حمل المعاصي على اللّه - عزّ وجلّ - فقد افترى على اللّه افتراء عظيما ؛ ان اللّه - تبارك وتعالى - لا يطاع باكراه ، ولا يعصى بغلبة ، ولا يهمل العباد في الملكة ؛ لكنّه المالك لما ملّكهم ، والقادر لما عليه أقدرهم ؛ فان ائتمروا بالطاعة لم يكن اللّه صادّا عنها مبطّأ ؛ وان ائتمروا بالمعصية ، فشاء ان يمنّ عليهم ، فيحول بينهم وبين ما ائتمروا به فعل ؛ وان لم يفعل فليس هو حملهم عليها قسرا ، ولا كلّفهم جبرا بل بتمكينه ايّاهم بعد اعذاره وانذاره لهم واحتجاجه عليهم طوّقهم ومكّنهم ، وجعل لهم السبيل إلى اخذ ما إليه دعاهم وترك ما عنه نهاهم ، جعلهم مستطيعين لأخذ ما امرهم به من شيء غير آخذيه ، ولترك ما نهاهم عنه من شيء غير تاركيه ؛ الحمد للّه الّذي جعل عباده أقوياء لما امرهم به ينالون بتلك القوّة وما نهاهم عنه ، وجعل العذر لمن لم يجعل له السبيل حمدا متقبّلا ؛ فإنّا على ذلك اذهب ، وبه أقول ، واللّه انا وأصحابي أيضا عليه ، وله الحمد . » « 1 »
وقد مرّ قول أمير المؤمنين ( ع ) لعباية بن ربعي الأسدي بعد قوله : فما أقول يا أمير المؤمنين ؟ قال ( ع ) : « تقول : إنّك تملكها باللّه الّذي يملكها من دونك ، فان يملّكها ايّاك كان ذلك من عطائه ، وان يسلبكها ، كان ذلك من بلائه ، هو المالك لما ملّكك ، والقادر لما عليه اقدرك . » « 2 »
[ العبد يختار بما أقدره ]
وعلى هذا ، فالعبد يختار بما قد أقدره وكلّما اختار من شيء ، فممّا قدّره ، امّا له أو عليه ؛ بل نفس الاختيار أيضا بالقدر ، لأنّه ليس من نفس العبد ، بل بقدره تعالى ؛ إذ هو تعالى ذا الخيار كوّن البشر ؛ اى كوّنه مختارا وصاحب الاختيار ، قدّر أن يختار العبد ما قد اشتهى بقدرة وشهوة ملّكها ايّاه ، والقدر الّذي تعلّق بافعال العبد قبل ايجاده ايّاها ، انّما اقتضى تحقّق العمل وثبوته ، إذ لا يجوز الخلف فيه لولا أن عدل
هامش
( 1 ) . البحار 5 : 123 / 71 .
( 2 ) . المصدر 5 : 75 / 1 .