بل عندهم منزلة بينهما * أوسع ممّا بين أرض والسّماء
الأمرين ليس ناظرا إليهما ، بل ناظر إلى الجبر والتفويض من حيث القدر في التكليف .
وإنّما ذكرت الأشاعرة هنا لاستنادهم في ردّ التفويض على المعتزلة ، باثبات القدر ، والتزامهم بأنّ ما علم اللّه به وقدره ، لا يمكن خلافه ، وان كان عمدة ما يورد عليهم بلزوم الجبر في استنادهم « 1 » إلى قول شيخهم الأشعري ، الّذي استحدثه من خلق الأفعال والتزامهم تقليد الفلاسفة والعرفاء ، بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه .
[ وعندهم ( ع ) منزلة بين الجبر والتفويض ، أوسع مما بين الأرض والسماء وهو الاختيار ]
وكيف كان ، فالأمر ليس مقصورا على ما توهّموه من الحصر بين الأمرين ، بل عندهم ( ع ) منزلة بينهما ، أوسع « 2 » ممّا بين أرض والسّماء ، إشارة إلى قول الباقر والصادق ( ع ) المتقدّمين .
هامش
( 1 ) . والحاصل : أنّ جبر الأشعري كما تقدّم ، يستند إلى وجوه ثلاثة :
الأوّل : مقتضى القدر والعلم الأزلي ، وبهذا الوجه صار المتنازع فيه بين الأشاعرة والمعتزلة ؛
الثاني : أنّ الافعال مخلوقة للّه خلق تكوين ، سواء قيل بالقدر ، أم لا ؛
الثالث : لا مؤثر في الوجود إلّا اللّه ، ولازمه خلق الأفعال أيضا ، ولا يلزم القول بالقدر أيضا .
وهاهنا وجه رابع للجبر ، لا يبتنى على شيء من الوجوه الثلاثة ؛ نعم ، يستلزم الثاني والثالث طبعا ، وهو جبر الفلاسفة وعرفاء الصوفيّة ، وهو وحدة الوجود .
( 2 ) . يمكن توجيه الأوسعيّة بوجهين : أحدهما : ان ترجع الأوسعيّة إلى نفس المنزلة ؛ يعنى ، أنّ منزلة الأمر بين الأمرين ، منزلة فسيحة أوسع ممّا بين الأرض والسّماء ؛ وذلك أنّهم يزعمون أنّ الأمر دائر بين امرين ، ومصور بين حاضرين ، وفيه ضيق غاية الضيق ؛ فإذا فرض ما لا يكون محصورا بين الحاصرين ويرفع الحصار ، وهو تقدير مع الاقدار ، لا يمكن تقدير فسحته ؛ بل يكون أوسع ممّا بين السّماء والأرض ، فإنّ في الخروج عن الضيق في المعقولات الفسحة للصّدور ، يضيق البيان عن شرحها أو تمثيلها بالمحسوس المحصور .
والثاني : ان ترجع إلى اللّه وإلى العبد فتكون الأوسعيّة بلحاظ حالهما . امّا العبد ، فلأنّه إذا خرج عن ضيق الجبر ، كانت له في ذلك فسحة ، لا يحدّ بالبيان ، ومثله مثل الّذي خرج من السّجن الّذي مسلوب فيه من الاختيار ، فإنّه يرى لنفسه بخروجه من السّجن وعود الاختيار إليه فسحة أوسع ممّا بين السّماء والأرض ، وان كان السّجن وسيعا في الغاية ، وقد خرج من إلى داره الضيّقة . وامّا اللّه تعالى ، فإنّا إذا اعتقدنا له تقديرا أو مشيّة في افعال العباد ، فقد اعتقدنا له اطلاقا في ملكه أوسع ممّا بين السّماء والأرض ، إذ القول بأنّ له ملك السّماوات والأرض ، مع القول بأنّه غير متصرّف في مخلوقه ، كان الحال فيه حال المسجون في السّجن الوسيع أيضا .