تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الأمة إلى معارف الأئمة — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
والأمر بين ذين عدل وهدى * لا يقصر الواقع فيما اجتهدا

تفسير الأمر بين الأمرين بما ورد عنهم ( ع )

قد تقدّم قولهم ( ع ) : « لا جبر ولا تفويض بل امر بين امرين » . وحيث إنّ هذه الجملة ؛ اى « الأمر بين الأمرين » ، لم تكن جملة مستقلّة ملقاة في كلام خاصّ ، بل انّما صدرت منهم ( ع ) عقيب نفى الجبر والتفويض على نحو الاستدراك ، فلا بدّ ان يوافقهما من حيث المورد المبحوث عنه ، والمحلّ المتنازع فيه ، بان يكون الّذي فرضوا فيه الأمر بين الأمرين ، هو الّذي فرض الفريقان الخصمان فيه الجبر والتفويض ، وإلّا لم يستقم التوسط والاستدراك .

[ تحرير محل النزاع في الجبر والتفويض في خصوص أفعال العباد ]

واعلم : إنّ النّزاع في الجبر والتفويض ، في خصوص افعال العباد ، من حيث التكليف ، والتفويض ، وان كان له أنواع ، الّا أنّ التفويض الّذي يقابل الجبر ، هو التفويض من حيث التكليف ، فيكون الأمر بينهما أيضا في التكليف ، فمعنى قولهم ( ع ) : « لا جبر ولا تفويض » أنّه لا جبر في التكليف ولا تفويض فيه ، والأمر بين ذين عدل وهدى ؛ كما نقل عن ائمّة الهدى ، لا يقصر الواقع فيما اجتهدا ؛ اى المعتزلة والأشاعرة ؛ فإنّهم لجهلهم زعموا أنّ الأمر في القدر في التكليف ، يدور بين امرين ، ولا ثالث لهما ، امّا النّفى فتفويض ، أو الاثبات فجبر . فالتزمت الأشاعرة بالجبر فرارا عن النفي ، والتزمته المعتزلة بالنفي فرارا عن الجبر ، فالكلام في الأمر بين الأمرين مع المجبّرة القدريّة ، والمفوّضة القدريّة ؛ يعنى ، الّذي يستند في ذهابه إلى الجبر إلى ثبوت القدر في التكليف ، وفي ذهابه إلى التفويض إلى العدل ، فيستلزم نفى التكليف ، ولذلك سمّوا جميعا بالقدريّة دون مطلق القائل بالجبر ، كمن يستند في جبره إلى وحدة الوجود ، فلا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه ، ودون مطلق القائل بالتّفويض كمن يقول :
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
« 1 » أو يقول : إنّ اللّه لا يقدر على الاعراض وافعال العباد من الأعراض فانّهما باطلان من رأس على الاطلاق ، ولا يفرض بينهما جامع يجمعهما في الصحة بوجه في زعم الخصمين ، والأمر بين
هامش
( 1 ) . المائدة 5 : 64 .