فبعث مكانه ابنه جعفر ( ع ) ، فلمّا قدم على الأموي ، ازراه لصغره ، فلمّا اجتمعوا ، قال القدري لأبي عبد اللّه ( ع ) : سل عمّا شئت ! فقال ( ع ) له : اقرأ سورة الحمد ، فقرأها ، وقال الأموي : ما في سورة الحمد ؟ غلبنا ، انّا للّه وانّا إليه راجعون ! فجعل القدري يقرأ ، حتّى بلغ
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
، فقال له جعفر ( ع ) : قف ! من تستعين ، وما حاجتك إلى المعاونة ؟ إنّ الأمر أليك !
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
« 1 » . » « 2 »
وقد أخبرنا في كتابه أيضا بليلة القدر ، وليلة القدر يقدّر القضاء ، يفرق فيها كلّ أمر قد قضى ؛ كما قال :
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ .
« 3 » وقال :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ .
« 4 » وأيضا كلّ يوم هو في شأن بدا .
ومنه أيضا كلّ ما يقرّر اى يثبت البداء ، فإنّه يدل أيضا على عدم التفويض .
وأيضا انّه تعالى ، قد جعل الجنّة والجحيما ، ولم أقل خلق ، ليكون حجّة على القائل بخلقهما الآن كما هو الحقّ وعلى القائل بعدمه ، فإنّه تعالى جعلهما لمن اطاعه أو عصاه من قبل ، وان فرض انّه لم يخلقهما بعد ، وإنّما جعلهما قبل وجودنا ، إذ كان بنا عليما . وهذا يدلّ على عدم التفويض في التكليف خاصّة . عن عليّ بن حنظلة : « أنّه اختصم بالمدينة رجلان في القدر ، فجعلا بينهما أبا عبد اللّه ( ع ) ، فأتياه فذكرا كلامهما ، فقال ( ع ) : « ان شئتما أخبرتكما بقول رسول اللّه ( ص ) ؟ فقالا : قد شئنا ، فقال ( ع ) : قام رسول اللّه ( ص ) وصعد المنبر ، فحمد اللّه واثنى عليه ، ثمّ قال : كتاب كتبه اللّه بيمينه ، وكلتا يديه يمين ، فيه أسماء أهل الجنّة بأسمائهم وعشائرهم ، ويجهل عليهم ، لا يزيد فيهم رجلا ولا ينقص منهم رجلا ، وقد يسلك بالعبد في طريق الأشقياء ، حتّى يقول الناس ما أشبهه بهم ، بل هو منهم ! ثمّ تدركه السّعادة ، وقد يسلك بالشّقى طريق السعداء حتّى يقول الناس : ما أشبهه بهم بل هو منهم ! ثمّ يتداركه الشّقاء ، من كتبه اللّه سعيدا ولو لم يبق من الدنيا إلّا فواق ناقة ، ختم اللّه له بالسّعادة ! » « 5 »
هامش
( 1 ) . البقرة 2 : 258 .
( 2 ) . البحار 5 : 55 / 98 .
( 3 ) . القدر 97 : 4 .
( 4 ) . الدخان 44 : 4 - 5 .
( 5 ) . البحار 5 : 159 / 15 .