المؤمنين ( ع ) ، فيما سأله رجل عن القدر ؛ فلم يجبه حتّى اجابه في الرابعة بقوله ( ع ) :
« اما إذا أبيت فإنّي سائلك ، اخبرني أكانت رحمة اللّه للعباد قبل اعمال العباد ، أم كانت اعمال العباد قبل رحمة اللّه ؟ فقال الرجل : بل كانت رحمة اللّه قبل اعمال العباد ، فقال ( ع ) : قوموا فسلّموا على أخيكم ، فقد اسلم وقد كان كافرا !
قال : وانطلق الرجل غير بعيد ، ثمّ انصرف إليه ، فقال : يا أمير المؤمنين ! بالمشيّة الأولى نقوم ونقعد ونقبض ونبسط ؟ فقال له أمير المؤمنين ( ع ) : وإنّك لبعد في المشيّة ، أما إنّى سائلك عن ثلاث ، لا يجعل اللّه لك في شيء منها مخرجا ؟ اخبرني ، أخلق اللّه العباد كما شاء أو كما شاءوا ؟ فقال : كما شاء ، قال ( ع ) : فخلق اللّه العباد لما شاء أو لما شاءوا ؟ فقال : لما شاء ، فقال ( ع ) : يأتونه يوم القيامة كما شاء أو كما شاءوا ؟ قال : كما شاء ، قال ( ع ) : قم فليس أليك من المشيّة شيء . » « 1 »
أقول : قول السائل : « أبالمشيّة الأولى » ، استفهام ، ظاهره التقرير وباطنه الالزام ، كأنّه لمّا كان يقول بالجبر فالزمه ( ع ) ، بأنّ رحمة اللّه تعالى قبل اعمال العباد ، فلا يكون جابرا ، ولازمه اثبات القدر أيضا ، أراد ان يلزم الإمام ( ع ) بسئواله « ا بالمشيّة الأولى » ، أحد الأمرين : إمّا نفى القدر والتفويض ، ان أجاب ( ع ) بأنّ تلك الأفعال بمشيّتنا أو به ، وبالجبر ، ان قال نعم بالمشيّة الأولى ؛ فاجابه ( ع ) بانّه ليس إليه من المشيّة شيء ، ، وإنّ كلّ شيء بمشيّته تعالى ، ولا يلزم منه جبر ولا تفويض .
[ تحقيق في مشية اللّه ومشية العبد ]
توضيحه : أنّ المراد بالمشيّة الأولى ، هي مشيّة السابقة على التكوين في التكونيات ، وعلى الأعمال في الأفعال ، والمراد بمشيّة العبد المقتضية للتفويض ، والمستلزمة له ، هي المشيّة المبتكرة من نفسه من دون سبق مشية اللّه تعالى ، لا تكوينا ولا تشريعا ، وإلّا فمشيّته المسبوقة بالطلب ، ينافي التفويض ، ولا يلازم الجبر .
فاجابه ( ع ) بأنّه لا شيء من المشيّة المبتكرة المبتدعة من نفسه إليه ، بل كلّ شيء للعبد مسبوق بالمشيّة الأولى ، امّا تكوينا ومن غير اختيار كخلقه وإماتته واحيائه بعد موته ؛ أو تشريعا من غير تفويض إليه ، كافعاله من القيام والقعود والقبض والبسط ، وكما أنّ العبد لا مشيّة له في غير افعاله اختيارا ، كذلك لا مشيّة له في افعاله تفويضا ، بحيث يكون الأمر إليه ، يبدع من نفسه المشيّة ، ويفعل ما يشاء كما يشاء ؛ بل هو في
هامش
( 1 ) . البحار 5 : 110 / 35 .