ونفى شرع والجزاء يقتضي * ذا الجبر ، فالجبرىّ كالمفوّض
فإن أقرّوا أظهروا ما ليس في * قلوبهم لكنّه لا يختفى
وهذه الأوهام في الإسلام * من ترك الائتمام بالإمام
أخزاهم العكوف بالعقول * إذ أعرضوا عن عترة الرسول
معنى ظاهر إلّا بضرب من التأويل ، ويأتي الجواب عن شبهة العلم ، والآيات والأخبار بالتفصيل .
[ منشأ القول بالجبر هو نفي التكليف والشرع والعقاب والثواب ]
ونفى شرع ؛ اى التكليف ، وكذا نفى الجزاء من الثواب والعقاب ، يقتضي ذا الجبر ؛ لأنّ الجزاء متوقّف على التكليف ، وهو على الاختيار ، وإذ لا اختيار فلا تكليف ، فلا ثواب ولا عقاب . قال روزبهان بعد حكاية قول الرازي ، أو هو من تتمّة قوله :
« ولا مخرج عنهما لفعل العبد ؛ اى عن علم اللّه بالوجود أو بالعدم ، وأنّه يبطل الاختيار ، إذ لا قدرة على الواجب والممتنع ، فيبطل حينئذ التكليف وأخواته ، لابتنائها على القدرة والاختيار بالاستقلال .
فالجبرىّ من هذه الجهة كالمفوّض ، والفرق بينهما أنّه يقول : لا قدر فلا تكليف ، وهذا يقول : قدر ، والقدر يستلزم عدم التكليف . فإن أقرّوا بهما ظاهرا لانتحالهم الاسلام والشرع ، فإنّهم أظهروا باللّسان ما ليس في قلوبهم ، وظنّوا أنّ ذلك يخفى عليهم ، لكنّه لا يختفى على أهله .
[ ترك الائتمام بالامام موجب لهذه الأوهام ]
وهذه الأوهام في الإسلام ، إنّما عرضت من ترك الائتمام بالإمام ، وإلّا فلا معنى لاختلاف المسلمين وضلالهم عن الهدى ، بعد إذ جاءتهم بيّنة من ربّهم ، فإن كان الاسلام ناقصا في معارفه ، فأيّ دين بعده كامل ؟ وان كان كاملا ، فما هذا الاختلاف والشعوب ؟ فليس حرمان درك الاهتداء إلّا بترك الاقتداء ،
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
« 1 » ولكن أخزاهم العكوف بالعقول ، إذ أعرضوا عن عترة الرّسول ،
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ ، فَعَمُوا وَصَمُّوا
« 2 » ومن يعرض عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ، فهو له قرين
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) . الجن 72 : 16 .
( 2 ) . المائدة 5 : 71 .
( 3 ) . الأعراف 7 : 30 .