وذاك شبهة عليها يتّكل * فيما ادّعى مجبّر والمعتزل
أبسطها الرازي بأن لو لم يجب * لكان علمه بجهل ينقلب
فالعبد موجب على ما قد فعل * لسبق علمه عليه في الأزل
والأزلىّ ليس ذا تخلّف * والجهل والخطأ عنه منتفى
وأمّا الآيات ، فيهدى من يشاء * وما يعلّق الأمور بالمشاء
وأمّا الأخبار ، فمجملاتها * ممّا تشابهت ومعضلاتها
[ استدلال الأشاعرة ومنهم الفخر الرازي على قولهم بالدليل العقلي ]
ليوهموا بذلك أنّ هذا الدليل ، ممّا دلّت عليه عقولهم خاصّة ، كما زعموا أنّ أوّل من ابداه ، الفخر الرازي ، وحكوا أنّه كان يباهى بنفسه في ابداء هذا الدليل . حيث قال :
« لو اجتمع جملة العقلاء ، لم يقدروا على أن يوردوا على ذلك حرفا ، الّا بالتزام مذهب هشام ، وهو أنّه تعالى ، لا يعلم الأشياء قبل وقوعها . »
[ وهذا ، ليس بدليل بل الشبهة التي أبسطها الفخر الرازي ]
وذاك ؛ اى العقل الّذي قرّروه ، ليس بدليل عقلي كما زعموه ، بل هو شبهة عليها يتّكل فيما ادّعى من المذهب مجبّر والمعتزل ، ولا يختصّ بالمجبّرة . وانّما أبسطها الرازي ، وليس منه ، بل تقدمه عليه المعتزلة كما عرفت ، واتّخذه الرازي منهم ، وبدل القدر بالعلم الأزلي وقرّره بوجه ابسط ؛ بأن لو لم يجب الفعل على العبد ، لكان علمه بجهل ينقلب .
توضيحة : أنّه تعالى لو لم يكن عالما في الأزل ، بكفر الكافر ، وايمان المؤمن ، وإطاعة المطيع ، وعصيان العاصي ، لكان جاهلا في الأزل ، وهو محال ؛ فإذا كان عالما به ، فلو جاز على العبد خلاف ما علم به تعالى في الأزل ، انقلب علمه جهلا ، وهو أيضا محال ؛ فالعبد موجب ومضطرّ على ما قد فعل لسبق علمه تعالى عليه في الأزل ، والأزلىّ ليس ذا تخلّف وتغيّر وتبدّل ، لاستلزامه الجهل والخطأ له تعالى ، والجهل والخطأ أيضا عنه منتفى .
قال الرازي على ما حكى عنه : « ما علم اللّه عدمه من افعال العبد ، فهو ممتنع الصدور ، وإلّا جاز انقلاب العلم جهلا ؛ وما علم اللّه وجوده من العبد ، فهو واجب الصدور عن العبد ، وإلّا جاز ذلك الانقلاب . »
[ استدلالهم لذلك الأصل بالآيات والروايات ]
وأمّا الآيات ، فيهدى من يشاء ، ويضلّ من يشاء واضرابها وما يعلّق الأمور بالمشاء ؛ اى بالمشيّة ، مثل ولو شاء اللّه لهداكم أجمعين ، وأمثالها . وأمّا الأخبار الّتي استدلّوا بها ، فمجملاتها ممّا تشابهت ، وتحتمل وجهين ؛ ومعضلاتها التي ليس لها