تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الأمة إلى معارف الأئمة — صفحة 620

مساهمون:

ص٦٢٠
وليس في الوجود من مؤثّر * سواه فالعبد عن الخلق عرىّ
فاللّه فاعل لخلقه العمل * والعبد كاسب لما اللّه فعل
فإنّا نقول أيضا : « إنّها مقدّرة تكوينا ، كما أنّها مقدّرة تشريعا ، الّا أنّا نقول : أنّ التقدير له والتكوين للعبد ، فهو تعالى قدّر للعبد ان يكوّن الفعل » ؛ وهم يقولون : إنّ التقدير والتكوين كليهما له تعالى ، فهو قدر لنفسه ان يفعل فعل العبد ؛ إذ هو خالق لكلّ شيء ، وحده ، لا شريك له في الخلق ، لقوله تعالى :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
« 1 » ، والشّيء عام يشمل الكائنات وافعال العباد .

[ وعندهم ( ع ) نسبة الأفعال إلى العباد مجازية لا حقيقية ]

وأيضا ليس في الوجود من مؤثّر سواه ؛ كما قالت الفلاسفة : « لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه » ، فالعبد عن الخلق ؛ اى خلق الفعل عرىّ ؛ اى عار ، والفعل خلق وايجاد ، فلا يمكن ان يكون لغير اللّه ويؤثّر فيه غير اللّه ، وإلّا لزم الشرك في الربوبيّة . فالفعل في الحقيقة فعل اللّه ، وهو خالقه ، وإنّما ينسب إلى العبد مجازا أو حقيقة ، لأنّه كاسبه ، كما قال تعالى :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ .
« 2 » وقال :
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ .
« 3 » ، وأمثالها كثيرة من نسبة الكسب إلى العباد .

ومعنى الكسب على ما فسّروه :

أنّ العبد ، محلّ الفعل ومتّصف به ومنسوب إليه ، فللفعل إذن نسبتان : نسبة إلى اللّه على وجه الحقيقة ، ونسبة إلى العبد على المجاز . قال الشبسترى : « بما افعال را نسبت مجازيست » ، فاللّه فاعل حقيقي لخلقه العمل ، والعبد كاسب لما اللّه فعل . وإنّما قالوا بخلق الاعمال ، فرارا عن الشرك الّذي يورد على اخوانهم المعتزلة ، وإنّما قالوا بكسب العبد ، فرارا عن الجبر الّذي يورده عليهم اخوانهم ، فجمعوا بهذا على زعمهم ، بين التوحيد والعدل معا . وليس الأمر كما زعموا ، بل يلزمهم أحد الأمرين : امّا الجبر ، أو كون الفعل للعبد حقيقة دون اللّه . توضيحه : أنّ الكسب ، امّا ان يكون مؤثّرا في فعل العبد ، أم لا ، فإن كان الأوّل ، فهو الأوّل ، وان كان الثاني ، فهو الثاني ؛ كما قلت :
هامش
( 1 ) . الرعد 13 : 16 ، الزمر 39 : 62 . ( 2 ) . البقرة 2 : 286 . ( 3 ) . البقرة 2 : 134 و 141 .