وليس من عدل بأن يقدّرا * عليه ذنبا ويجازى قاهرا
فالتزموا من ذاك بالتّبعيض * وشابهوا اليهود في التفويض
ففوّضوا العبد إلى استطاعته * ما شاء من عصيانه وطاعته
فاللّه في تكليفه عباده * كمثلنا يطلب ما أراده
كفره وعصيانه مغلوب المشيّة السابقة ومقهور القدر الّذي سبقه ، وليس من عدل بأن يقدّرا عليه ذنبا ويقهره عليه بتقديره ، ومع ذلك ، يجازى ويعاقبه قاهرا عليه . فالتزموا من اجل ذاك ، بالتّبعيض ، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض .
وشابهوا اليهود في التفويض ؛ لأنّ اليهود ، قالوا بالتّفويض المطلق ، وهؤلاء ، قالوا بالتّبعيض في التفويض ، ففوّضوا العبد إلى استطاعته ، صرفا ما شاء من عصيانه وطاعته ، فاوقعهم الجهل في هذا الخطأ العظيم ، وذلك أنّهم انّما أنكروا الجبر ، طلبا للعدل وفرارا عن نسبة الظلم إليه تعالى ، ولكن جهلهم وقلّة فهمهم ، أوقعهم في محذور آخر ، وهو انكار القدر . فصدق عليهم قول الصادق ( ع ) : « لعن اللّه المعتزلة أرادت ان توحّدت فالحدت ، ورامت ان ترفع التشبيه فأثبتت . » « 1 »
وهذا من عواقب الاستبداد بالعقل القاصر ، فمثلهم . وكذلك مثل الأشاعرة وغيرهم مثل الحمار الطائح في الوحل ، لا يرفع يدا أو رجلا منه ، الّا ويقع فيه بيد أو رجل آخر ، لا يمكنه التخلص منه إلّا بان يخلّصه غيره . وكلّ من الطائفتين ، أرادوا بزعمهم حسنا ، فجعله جهلهم سوء وطلبوا التخلّص من خطر ، فوقعوا في خطر آخر .
وهذا من خذلان اللّه ، نعوذ باللّه من الخذلان !
[ على القول بالتفويض ، فاللّه في تكليفه عباده ، يكون مثلنا ، يطلب ما أراد ]
وعلى القول بالتّفويض وانكار القدر ونتيجتهما ، فاللّه في تكليفه عباده ، يكون كمثلنا يطلب ما أراده ، ليست له مشيّة إلّا مشيّة الطلب ، دون مشيّة الوقوع واللّاوقوع وتقدير أحدهما . وهذا يستلزم اعتقاد أحد امرين : امّا جهله تعالى بالوقوع واللّاوقوع وبمشيّة العبد ، إذ مع علمه لا يمكن خلّوه عن المشيّة ، وحينئذ تجيء فيه شبهة العلم الآتية ؛ أو غلبة مشيّة العبد على مشيّته .
هامش
( 1 ) . البحار 5 : 8 / 8 .