والخوض في الإثبات أو نفى القدر * ليس بمحبوب لما فيه خطر
إذ قد يؤدّى البحث بالأفكار * لنفيه أو نفى الاختيار
وفي التوحيد عن عبد الملك بن عنترة الشيباني ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : « جاء رجل إلى أمير المؤمنين ( ع ) ، فقال : يا أمير المؤمنين ! اخبرني عن القدر ، فقال ( ع ) : بحر عميق ، فلا تلجه ؛ فقال يا أمير المؤمنين ! اخبرني عن القدر ، قال ( ع ) : طريق مظلم ، فلا تسلكه ؛ قال : يا أمير المؤمنين ! اخبرني عن القدر ! فقال : امّا إذ أبيت فانّى سائلك . . . » « 1 » تأتى أيضا بقيّته .
وفي مطالب السئول ، عن يحيى بن سليم ، عن الإمام جعفر بن محمّد ، وعن عبد اللّه بن جعفر ، الجميع عن أمير المؤمنين ( ع ) : « قام إليه رجل ممن شهد وقعة الجمل ، فقال : يا أمير المؤمنين ( ع ) ! أخبرنا عن القدر ، فقال ( ع ) : بحر عميق ، فلا تلجه ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ( ع ) ! أخبرنا عن القدر ، فقال ( ع ) : سرّ اللّه ، فلا تبحث عنه ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن القدر ، فقال ( ع ) : لما أبيت ، فإنّه امر بين امرين . » « 2 »
أقول : الظاهر من فقه الرضا والتوحيد ، ومطالب السئول ، أنّ السائل ، إنّما أراد السؤال عن القدر الّذي وقع النّزاع فيه بين المتكلّمين ، دون التقديرات القضائيّة ، ولكنّه ( ع ) أجاب بالكفّ عن التفتيش عن المقدرات ، حتّى ألحّ السائل عليه ، فاجابه فيه بما هو الحقّ الّذي يأتي تفصيله ، وليس عدم جوابه ( ع ) لأجل عدم فهمه مراد السائل ، بل لأجل صرفه عن هذه السؤال وتنبيهه ايّاه ، بأنّه ليس ممّا يحسن الخوض فيه . وإلى ذلك أشرت بقولي :
[ وعندهم ( ع ) الخوض في الإثبات أو نفي القدر ليس بمحبوب ]
والخوض في الإثبات أو نفى القدر بالتدقيق في كيفيّته ، ليس بمحبوب عند أهل البيت ( ع ) ؛ كما يؤمى إليه سكوت أمير المؤمنين ( ع ) عن الجواب ، وعدوله ( ع ) عنه إلى غيره ؛ وذلك لما فيه خطر ، إذ قد يؤدّى البحث والتدقيق عنه بالأفكار البشريّة ، ويجرها إلى أحد امرين : امّا لنفيه ؛ اى إلى نفى القدر ، أو نفى الاختيار ؛ اى يؤدى بالفكر إلى أحد الانكارين ، كما اتّفق لجلّ المتكلّمين فيه ذلك .
هامش
( 1 ) . البحار 5 : 110 / 35 .
( 2 ) . المصدر 5 : 56 / 103 .