وفي التوالي ، تسبق المشيّة * إرادة وهي على البقيّة
[ كيفية ترتيب هذه الصفات فيه تعالى : تسبق المشيّة الإرادة ، والإرادة سابقة على البقية ]
وفي التوالي ؛ اى في مقام ترتّب « 1 » هذه الصفات تسبق المشيّة إرادة ، كما يسبق العلم على المشيّة ، وهي ؛ اى الإرادة ، سابقة على البقيّة ؛ اى القضاء والقدر وتوابعهما ؛ لأنّ الجميع من توابع الإرادة ، وإنّما تسبق المشيّة على الإرادة لمكان الحيثيّة الّتي ملحوظة فيها ؛ فإنّ لكلّ منها حيثيّة تبان بها حقيقتها ومحلّيتها ، ويمتاز بها عن الآخر ،
هامش
( 1 ) . ترتّب هذه المراتب على الوجه المذكور لنا في أنفسنا ، امر بديهىّ ، معلوم ، معهود ؛ فإنّ كلّ أحد منّا ، إذا علم بشيء ، فاوّل ما يبدو له بعد العلم ، المشيّة ، ثمّ المراتب الاخر ؛ فإن الشخص إذا علم شيئا ، امّا ان يشاءه ، أو لا يشاءه ، وإذا شائه ، فامّا ان يريده ، وهو العزم عليه ، أم لا يريد ؛ ثمّ إذا اراده ، يقع في التقدير له بحسب الكميّة والكيفيّة ، ثم إذا تمّ التقدير ، يقضى به ويمضيه ، الّا أنّ هنا مجال لأن يتوّهم متوهّم ، أنّ هذا من قياس الخالق بالمخلوق ؛ لكنّه خطأ ، لأنّ هنا مسئلتان :
إحداهما : ثبوت هذه الأمور للّه تعالى ، وجواز نسبتها إليه تعالى في الكتاب والسّنة بحدّ لا يحصى ؛
ثانيتهما : ترتّب هذه الأمور له تعالى على الوجه المعهود لنا ، فهذا امر اخذناه عن الحجّة ( ع ) مع تنزيهه تعالى عن لوازمها الّتي غير منفكّة عنّا ، لجهلنا وعجزنا وقصورنا بالأشياء ، وعدم إحاطة علمنا وقدرتنا بالجهات والأنحاء : من الفكر والتروّى والترديد والتحيّر والتخيّر ، ولا مانع ان يكون لفعله تعالى من مقام العلم ، إلى مقام الحصول في العين ، مبادى مترتّبة مع تنزّهه ، من لوازم النقص ، وكمال علمه وقدرته على الأمور من أول الأمر ؛ كما جعل النطفة علقة ، والعلقة مضغة ، وهكذا ساير التكوينيّات العاديّة ؛ ولا مانع من أن يكون ترتّب تلك المبادى له تعالى على نحو ترتّبها لنا ، ولكن مع التنزيه ، وان يكون هو تعالى ، إنّما أنشأ فينا هذه المبادى على هذه المراتب لنستدلّ بها على افعاله ، ولكن مع تنزيهه عن لوازمها النقصيّة ، كما أنشأ فينا العلم والقدرة وغيرهما من الصفات ، لنستدلّ بها على صفاته مع التنزيه . وقد أخبرنا الحجّة ( ع ) بذلك ، فوافق الخبر للواقع ، فليس هذا من باب القياس في شيء .
هذا ، مع أنّه تعالى لمّا أخبرنا بعلمه ومشيّته وارادته وقدره وقضائه ، ثمّ وجدنا منه انفكاك بعضها عن بعض ، وحصول بعضها دون بعض ، وتأخّر بعضها عن بعض ، علمنا بترتّب هذه الأمور ، فقد علمنا أنّه تعالى كان لم يزل عالما ، ولكنّه لم يكن لم يزل شائيا ومريدا ، ثمّ وجدناه يخلق ما يشاء من الأمور المتدرّجة الحصول ، والمترتّبة في الوجود ، وقد علمنا أنّه كان شائيا لها قبل حصولها بكثير ، فقد علمنا أنّه كان شائيا ولم يكن مريدا ، ثمّ وجدنا خلقة كلّ شيء بقدر معلوم ، فعلمنا أنّه لا يريد كلّ شيء إلّا بقدر ، ثمّ وجدناه قد يغيّر ما اراده كما سيأتي مشروحا في البداء ، فعلمنا أنّه لم يقض به ، فعلمنا أيضا أنّ القضاء بعد الإرادة .