العالم بالأشياء قبل كون الأشياء ، قال - عزّ وجلّ - :
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .
« 1 » وقال لأهل النّار :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ .
« 2 » فقد علم - عزّ وجلّ - ، انّه لو ردّهم ، لعادوا لما نهوا عنه ، وقال للملائكة ، لمّا قالت :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ .
« 3 » فلم يزل اللّه - عزّ وجلّ - علمه سابقا للأشياء قديما قبل ان يخلقها ، فتبارك اللّه ربّنا ، وتعالى علوّا كبيرا ، خلق الأشياء وعلمه بها سابق لها ؛ كما شاء ، كذلك لم يزل ربّنا عليما سميعا بصيرا . » « 4 »
وعن فتح بن يزيد ، عن أبي الحسن الهادي ( ع ) ، قال ، قلت له : « يعلم القديم ، الشيء الّذي لم يكن ان لو كان ، كيف كان يكون ؟ قال : ويحك . إنّ مسألتك لصعبة ، أما سمعت اللّه يقول :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا .
« 5 » وقوله :
وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ .
« 6 » وقال يحكى قول أهل النّار :
أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ .
« 7 » وقال :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ .
« 8 » فقد علم الشيء الّذي لم يكن ان لو كان كيف كان يكون . » « 9 »
أقول : الظاهر ، أنّ المراد بما لم يكن ، هو المعدوم الّذي يمكن تحقّقه عقلا ، كما فسّرت البيت به ، فإنّ هذا ممّا يصحّ العلم به ، بأنّه لو كان ، كيف كان يكون ، ويكون علمه مختصّا به تعالى ، لا المعدوم الّذي يستحيل وقوعه ؛ فإنّه لا يصحّ فرض العلم به ، الّا العلم بأنّه محال ، والعلم بأنّه مستلزم للمحال والفساد . وهذا العلم ليس ممّا يختصّ به تعالى ، والمحال لا يحتمل فرض الوقوع الحقيقي ، على أنّه لو كان ، كيف
هامش
( 1 ) . الجاثية 45 : 29 . والاستشهاد بهذه الآية ، مبنىّ على التفسير المروىّ عن ابن عبّاس : « أنّ المراد بالاستنساخ ، الاستنساخ في اللّوح المحفوظ اعمال الخلق ، قبل خلقهم » ، والمشهور استنساخ الأعمال في الدنيا قبل الآخرة .
( 2 ) . الانعام 6 : 28 .
( 3 ) . البقرة 2 : 30 .
( 4 ) . البحار 4 : 78 / 1 .
( 5 ) . الأنبياء 22 : 21 .
( 6 ) . مؤمنون 23 : 91 .
( 7 ) . فاطر 35 : 37 .
( 8 ) . الانعام 6 : 28 .
( 9 ) . البحار 4 : 82 / 10 .