ومنه الاختلاف في المشاعر * ضعفا وشدّة وما لم يشعر
فإن من الوجود عمّ كلّها * وإن من الذوات فالفضل لها
ومنه الاختلاف في الكمال * للنوع وهو أكبر الإشكال
إذ يستوى الجميع في الماهيّة * فليس مائز سوى الشّخصيّة
ثمّ الكمال كسبه محال * إذ الوجود ما له انفعال
وحيث لا تشكيك للماهيّة * لا تقبل الزيادة الكسبيّة
ذلك مختلفة : من ملك وجنّ وانس وحيوان والنّبات والجماد . فمنها : ما هو شريف مطلق ، كالملك ؛ ومنها ؛ ما هو كثيف وخبيث وخسيس مطلق ، كالقاذورات والنّجاسات والحشرات ؛ ومنها ؛ ما يكون بعضه شريف وبعضه دنىّ ، كسائر ما ذكر والكلام في وجه الاختلاف الكلام .
ومنه : الاختلاف في المشاعر ضعفا وشدّة ، كالملك والجنّ والانسان والحيوان مع اختلاف الأفراد بعضها مع بعض في الادراكات ، وما لم يشعر أصلا ، كالجماد والنّبات ، فإن كان ذلك من الوجود ، فقد عمّ كلّها لاستوائه بالنّسبة إليها ، وإن من الذوات فالفضل لها لا للوجود ؛ لأنّها أقوى منه في جهة الكمال ، مع ما يرد عليه ما ذكرنا في الاختلاف في النّور .
ومنه : الاختلاف في الكمال النّفسى للنوع الواحد بين افراده ، كاختلاف الأنبياء والأولياء مع غيرهم ، وهو أكبر الإشكال . إذ يستوى الجميع في الماهيّة النوعيّة ، فلا يمكن استناد الاختلاف إليها ، وهي غير قابلة عندهم للتّشكيك ، والمفروض استواء الأفراد في الوجود أيضا ، فليس مائز هاهنا سوى الشّخصيّة الفرديّة ، والتشخّص عندهم ليس إلّا بالوجود والعوارض . ويرد عليه أيضا ما سنورده على افعال العباد ، من أنّ اللّه تعالى هل يقدر على تغيير النّاقص أم لا ؟ والأوّل ، يستلزم مقهوريّة العبد ، والثاني ، مقهوريّة اللّه تعالى .
فهذه الاختلافات وما تقدّم عليها من الوجوه ، دالّة على أنّ الماهيّات مجعولة ، وأن كلّ ذلك بالإفاضة والتقدير ، لا بالذّوات ولا بالوجود .
[ الرابع والعشرون : يستلزم هذا القول ، محالية كسب الكمال ]
ثمّ الكمال كسبه محال على قولهم ، إذ الوجود ما له انفعال بالزّيادة والنّقصان ، والكمال زيادة ، وكسبه زيادة حادثة ، فلا بدّ امّا ان ترد على الوجود أو الماهيّة ، إذ ليس غيرهما شيء ، والوجود غير قابل للانفعال ، فلا يتحمّل الزيادة ؛ وحيث لا تشكيك عندهم للماهيّة ، فهي أيضا لا تقبل الزيادة الكسبيّة .