فإن بذاته فليس يفرض * لكلّه بسط ولا يبعّض
وإن على العكس فلا عكس له * ولا له فيء يعدّ ظلّه
ليس وجوده ، وجود كلّ شيء * ولا مع الأشياء كالشئ وفيء
والعدم الآبي عن انعكاس * وعكسه الأقرب بالقياس
وليس شيئا يقبل التجلّى * إذ ما له شأنيّة المحلّ
ثمّ الخسيس كيف مظهر له * أو كان مرآتا وعكسا ظلّه
وعلى كلّ حال ، نقول : فإن كان البسط بذاته ، فلا يخلو : إمّا ان يكون ببسط كلّه ، أو بعضه ، وكلاهما محال ، فليس يفرض لكلّه بسط ؛ لأنّه يوجب الانتهاء والمحدوديّة أوّلا ، ولا يسعه شيء ثانيا ، وليس بواقع ثالثا ؛ ولم يدّع أحد أنّ كلّ موجود من الموجودات ، هو تمام الوجود ، ولا يبعّض فلا يمكن فرض بسط جزء منه ، وإن يكن بسطه على نحو العكس والفيء ، فلا عكس له ولا له فيء يعدّ ظلّه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . ليس وجوده ، وجود كلّ شيء ذاتا ، ولا مع الأشياء كالشئ وفيء ، بل كلّ ذلك أوهام تخيليّة . والماهيّة عندهم عدميّة ، وهي قبل الوجود معدومة ، والعدم الآبي عن انعكاس فيه ، لأنّه ليس بشيء ، فكيف يقبل الانعكاس ؟ قال الشبسترى :
عدم آئينهء هستى است مطلق * كزو پيداست عكس تابش حق
عدم چون گشت هستى را مقابل * درو عكسي شد اندر دم مماثل
وعكسه الأقرب بالقياس ؛ يعنى ، لو بنينا على الانعكاس فجعل القضيّة بالعكس ، بان يقال أنّ الماهيّة انعكست في الوجود ، والوجود مرآة للماهيّات ، أقرب بحسب القياس كما لا يخفى . وأيضا العدم ليس شيئا يقبل التجلّى باىّ نحو فرض ، إذ ما له شأنيّة المحلّ ؛ فإنّ التجلّى سواء كان له أو فيه أو عليه ، لا بدّ له من محلّ ، ولا بدّ للمحلّ من القابليّة ، والعدم لا قابليّة له ولا محليّة ؛ فلا بدّ ان يفرض للماهيّات تقرّرا قبل وجودها ، إمّا في ذاتها أو في علم اللّه ، كما يأتي الكلام في الأعيان الثابتة .
[ العاشر : كيف تكون الأشياء الخسيسة ، مظاهر ذاته تعالى ؟ ]
ثمّ الخسيس من الأشياء ، كالبهائم والسّباع والحشرات والقاذورات ، كيف مظهر له ؟ فإنّ الأشياء كلّها على التجلّى والانبساط تكون مظهرا للذّات ، وهم يصرّحون بذلك كثيرا . فإنّا لو لم نقل باستلزامه العينيّة كما اعترف به محيي الدين ، فإنّه لا شبهة عندهم في المظهريّة ، وكيف يرضى المسلم العاقل بان يقول : إنّ الأشياء الخسيسة مظاهر ذاته تعالى ؟ بان كان وجود الخسيس وجوده المحدود ، أو كان مرآتا له وعكسا له ظلّه وفيئه .