تصوّروا ربّا على أفهامهم * ومثّلوا له على أوهامهم
وليست إلّا حيرة الأفهام * قادت بهم لهذه الأوهام
حاروا بحدّ حيث تاهوا في الظلم * لم يعرفوا موضع رأس من قدم
فمرّة توحيدهم للخالق * قد علّلوه بالوجود المطلق
ومرّة بالعكس هل من مدّكر * من يضلل اللّه فكيف يدّكر
يكفى جميعها من المناقشة * أن قلت ثبّت عرشها ثمّ انقشه
* * * تصوّروا ربّا على أفهامهم ، ومثّلوا له على أوهامهم . وقد قال تعالى :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ . . .
« 1 » وليست إلّا حيرة الأفهام ، قادت بهم لهذه الأوهام ؛ كما قال الصادق ( ع ) :
« ايّاكم والتفكّر في اللّه ، فإنّ التفكر في اللّه لا يزيد إلّا تيها » « 2 » .
فلمّا حاروا وتاهوا ، تصوّر كلّ شيئا على حسب وهمه ومن العجب ، وان لم يكن من خزى اللّه بعجيب ، أنّهم حاروا بحدّ ، حيث تاهوا في الظلم ، ظلم الحجب المضروبة دون الغيوب ، أنّهم لم يعرفوا موضع رأس من قدم ، مثل لمن وقع من التّيه بحيث لا يعقل شيئا ؛ وهذا نظير قول الباقر ( ع ) : « حتّى انتهى بهم الكلام إلى اللّه - عزّ وجلّ - فتحيّروا ، فإن كان الرجل ليدعى من بين يديه فيجيب من خلفه ، ويدعى من خلفه فيجيب من بين يديه . » « 3 » وهؤلاء من شدّة الحيرة والتيه ، لم يلتفتوا إلى فلتات كلامهم ؛ فمرّة توحيدهم للخالق ، قد علّلوه بالوجود المطلق عن الإضافات ، وهو الوجود الواحد ؛ كما استدلّوا لأصالة الوجود أيضا ، بأنّه لو لاها لم يوحّد الخالق ؛ ومرّة بالعكس ، فيستدلّون على وحدة الوجود بتوحيد الخالق ، وهم يعدون أنفسهم عقلاء البشر ، ولم يتوجّهوا إلى هذا الدور الصريح من حيرة العقل وتيه الفهم هل من مدّكر ؟ يدّكر الحق ويعتبر من خزى اللّه ، ولكن من يضلل اللّه ، فلا هادي له ، فكيف يدّكر ؟ وان يخذلكم فمن ذا الّذي ينصركم من بعده ؟
ثمّ إنّ هذه الأوهام السّخفية والشّبهات الضعيفة ، لا يحتاج ظهور بطلانها إلى تجشّم الإبطال ، بل يكفى جميعها من المناقشة فيها ، أن قلت : « ثبّت عرشها ثمّ انقشه » ، وهذا مثل معروف ، « ثبت العرش ثمّ انقش » ، والمقصود بالتمثيل ، أنّ كلّ هذه التصوّرات والأمثال نقوش على عرش التأصّل ، فليثبت أوّلا ثمّ ينقش .
هامش
( 1 ) . النحل 16 : 74 .
( 2 ) . البحار 3 : 259 / 4 .
( 3 ) . المصدر 3 : 259 / 3 .