فأنكروا الممكن في الحقيقة * ولقلق اللّسان للمضيقة
وحيثما تكثّر الوجود * في العين غير قابل الجحود
قالوا : بأنّ كلّ ذا ، وجود * منبسط ببسطه يجود
فاضطربوا في أنّه كيف انبسط * على الماهيّات ؟ وهل بها اختلط
أم لا ؟ فمن أين به قد نسبت ؟ * هل كسبت وجودا أو ما اكتسبت ؟
فقيل : بسطه على الإشراق * وأنّه باق على الإطلاق
وليست الكثرة باختلاط * لكن وجودات بالانبساط
تكثّرت بكثرة الحدود * واختلفت مراتب الوجود
إذ الماهيّات له حدود * بالاعتبار ما لها وجود
اى باعتبار نسبته إلى الوجود ، فأنكروا الممكن في الحقيقة ، إذ انكار وجوده في الحقيقة انكاره في الحقيقة . ولكن لقلق اللّسان للمضيقة ، ومن اجل الاضطرار ، فآمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم ؛
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
، بل مقتضى تألّههم انكار الوجود لغير واجب الوجود .
وحيثما تكثّر الوجود في العين ، غير قابل الجحود ، فإنّ الموجودات من السّماء وما فيها ، والأرض وما عليها من الأنواع المختلفة من الكثرة ، بحيث لا يحصيها الّا بارئها ، قالوا : بأنّ كلّ ذا ، وجود أيضا لكن لا وجودات متعدّدة ، بل وجود ، واحد ، منبسط ، ببسطه يجود ويفيض الجواد الفيّاض ، فاضطربوا بعد ذلك في أنّه كيف انبسط على الماهيّات بوجه لا يوجب التقسيط والتجزية ؟ وأنّه هل بها اختلط أم لا ؟
وعلى الثاني ، فمن أين به قد نسبت إذا لم يختلط بها ؟ ولو تصوّرنا النّسبة بوجه ما ، هل كسبت الماهيّات بالاختلاط ، أو بسبب النّسبة ، وجودا حقيقيّا ، أو ما اكتسبت ؟
فقيل في تصحيح ذلك كلّه : بسطه على الماهيّات على وجه الإشراق والإضافة والنّسبة اشراقيّة ، وأنّه ؛ اى الوجود باق مع اشراقه على الإطلاق والصرافة من دون تجزية وتقسيط ، وليست الكثرة باختلاط له معها تركيبا أو اقترانا ، فيتكثّر بتكثّر التركيب والاختلاط معها ، لكن وجودات محضة غير ممتزجة حاصلة بالانبساط ، وإنّما تكثّرت وصارت وجودات بكثرة الحدود الاعتباريّة ، واختلفت بهذا الاعتبار أيضا مراتب الوجود في الشّدة والضعف ؛ إذ الماهيّات له ؛ اى للوجود ، حدود بالاعتبار لا بالحقيقة . وامّا في الحقيقة فهي منتزعة من الوجود ، ما لها وجود وتحقّق ، لا قبل بسط الوجود عليها ولا بعده ، فهي لم تكتسب به وجودا أصلا .