وأمّا الأفعال ، فليست كالصّفة * توحيدها من مبدعات الفلسفة
فإن بنوا على اتّحاد ما صدر * فالعقل والشّرع عليه ما استقرّ
وإن أرادوا أنّ ما قد فعله * يكون واحدا فما الملزم له
يقولوا بأنّ الوجود بسيط ، لا يقبل التركيب ، فإذا قلنا به ، استغنينا عن دليل آخر على نفى التركيب ، لكنّه تقرير آخر غير الاتّحاد في الوجود ، ومع ذلك ، فبساطة الوجود أيضا تحتاج إلى دليل مثبت ، فالدّليل على نفى التركيب لازم على كلّ حال ، ولا فرق فيه بين ان نقول أنّ ذاته تعالى من دون تعيين ، أنّه الوجود أو غيره ، لا يقبل التركيب ، ثمّ نقيم الدليل عليه ؛ أو نقول أنّ ذاته الوجود والوجود لا يقبل التركيب ، ونقيم الدليل عليه .
وأمّا الأفعال ، فليست كالصّفة متّحدة مع الذات ، ولا هي أيضا متّحدة في أنفسها بان ترجع إلى فعل واحد ؛ كما قيل ذلك في الصفات أيضا ، ولا ملزم على هذا الإرجاع حتّى يحتاج إلى جهة وحدة ، وإنّما توحيدها بهذا المعنى الثاني ، من مبدعات الفلسفة ، ولم يعلم وجه ذهابهم إليه لاختلاف تعليلاتهم .
وظنّى أنّ حقيقة ما دعاهم إليه ، هو ذهابهم إلى أنّ ذاته تعالى الوجود ، وأنّ الوجود لا يصدر منه العدم ولا الماهيّة ، فلا بدّ ان يكون الصادر منه هو الوجود أيضا ، ففعله تعالى عندهم هو الوجود ، ولما ذهبوا إلى وحدته ، لزمهم ان يقولوا : بأنّ فعله واحد ، لأنّ فعله الوجود ، والوجود واحد . وهذا تعليل ظاهر على مذاقهم ؛ ولكنّهم اعرضوا عنه ، واكتفوا بتلك التعليلات الغير الملزمة ، حذرا عن الاعتراض عليهم بالمصادرة .
وكيف كان ، فقد ردّدت قولهم على ظاهر تعليلاتهم بين امرين ، فإن بنوا لزوم كون الأفعال واحدا على اتّحاد ما صدر ، كما بنوا عليه الصادر الأوّل ، وهو قولهم : « أنّ الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد » ، فالعقل والشّرع عليه ما استقرّ ، وما ورد في الشّرع أن أوّل ما خلق اللّه العقل ؛ أو أوّل ما خلق اللّه نوري ، فليس مبنيّا على أنّه واحد ، والواحد لا يصدر منه إلّا واحد ، بل مبنىّ على أنّ الخلقة تدريجيّة لا دفعيّة ، وإن أرادوا أنّ ما قد فعله مع تعدّده وتكثّره ، يكون واحدا ويرجع إلى واحد ، فما الملزم له سوى ما ذكرت