فإن أبوا إلّا إليّ قد حصلت * فهي إذا تحقّقت تحصّلت
والمتباينان لو تمانعا * عن وحدة فكيف منها انتزعا
كون الوجود مثل خيط ينتظم * به الشّتات ذاك شعرىّ وهم
من لوازم طبعها قبل الوجود ، لو لاه ؛ اى لولا هذا المناط بنفسها ، فالوجود لا يقودها ؛ اى الوحدة ؛ بداهة أنّه لو كان الوجود هو الّذي يقود الوحدة ويجرها ويوجدها ، للزم ان يكون موجدا لها ، مع عدم الوحدة فيها بنفسها ، كالإنسان والحجر ، مع أنّهما لا يجتمعان في الوجود ابدا ، فعلم أنّ الاتّحاد قبل الوجود ، والوجود تابع له دون العكس .
فإن أبوا إلّا الوحدة الّتي قد حصلت في العين ، ؛ يعنى ، ان يقولوا : « إنّ الوحدة الّتي هي شرط الحمل ومناطه ، لا بدّ أن تكون متأصّلة متحقّقة في العين ، وتلك الوحدة قبل الوجود ، لا تحقّق لها ؛
فلنا ان نقول : فهي إذا تحقّقت الماهيّة ، تحصّلت أيضا بتحقّقها ، ولا يلزم ان يكون تحقّقها بتحصّل الوجود .
فان قالوا : إنّ الماهيّة لا تحقّق لها ، فلم يزيدوا على المدّعى إلّا الدعوى .
وان قالوا : إنّها على فرض تحقّقها لا توجب الوحدة ، فهي أيضا دعوى على دعوى .
وان قالوا : إنّ ما به الوحدة ، هو المتحصّل الّذي يكون متأصّلا ؛ فقد زادوا أيضا دعوى على الدعوى .
وان قالوا : إنّ الماهيّتين ، متباينتان ، والمتباينتان لا يمكن انتزاع وجود واحد منهما ، فقد رجع إلى انكار التحقق للماهيّات ؛ إذ لو فرض لها التحقّق وكان تحقّقهما واحدا كالإنسان والنّاطق مثلا ، فلا مانع من انتزاع الوجود الواحد .
والمتباينان لو تمانعا عن وحدة ، فلم يجز ان ينتزع منها الوجود الواحد ، فكيف منها انتزعا على قولهم بتأصّل الوجود ؟ فإنّ المتباينين بما هما متباينان ، كما لا ينتزع منهما الوحدة ، كذلك لا ينتزعان من شيء واحد ؛ وقولهم مجيبا عن ذلك ، كون الوجود مثل خيط ينتظم به الشّتات ، فإنّ ذاك كلام شعرىّ ووهم ؛ اى غلط توهّموا فيه ؛ إذ كونه مثل خيط مبنىّ على وحدته ؛ فلو ثبت ، فذلك من آثار الوحدة لا من آثار الوجود بما هو وجود ، فإذا فرضت الوحدة في غير الوجود ، كانت هذه الخاصيّة له أيضا ، هذا أوّلا .