بل حصرت في الكون بالحدود * لو لاه لم تخرج إلى الوجود
ومثل هذا الحصر في الأجسام * يلزمهم من حيث الانقسام
ثمّ من الوفاق في صفاتها * أن ليست إلّا هي عند ذاتها
محصورا واقعا حتّى يقال إنّ تأصّل الماهيّة ، يوجب تحقّق اللّامحصور .
والحاصل : أنّ امتناع تحقّق اللّامتناهى وصيرورته بين الحاصرين ، ليس مستندا إلى اقتضاء تأصّل الماهيّة ذلك ، بل مستند إلى نفسه ، فإنّه غير ممكن الوقوع في ذاته ، بل حصرت الماهيّة في الكون ؛ اى في مقام تكوينها بالحدود ، وان لم تكن محصورة في الفرض والتصوّر ، ولو لاه ؛ اى لولا حصره بالحدود ، لم تخرج إلى الوجود ؛ اى إلى التحقّق ، لأنّ الماهيّة ما لم تحدّ وتتشخّص ، لم توجد ، وقد خلطوا أو غالطوا بين الاستعداد الفرضي والاستعداد الذاتي النّفس الأمرى الممكن الوقوع ، وكذلك بين الماهيّة الفرديّة التي هي مورد الكلام ، والقابلة للتّحقّق شأنا بالماهيّة الكليّة الّتي ليس لها الشأنيّة أصلا ، فخلطوا بينهما في اللّوازم .
ومثل هذا الحصر الّذي أورده على القائل باصالة الماهيّة في الأجسام كلّها ، يلزمهم أيضا من حيث قابلية الانقسام ؛ وذلك لأنّهم يقولون بتركّب الجسم من الجزء الّذي يتجزّى ، والجزء الّذي لا يتجزّى عندهم باطل ، فكلّ جسم مركّب من اجزاء لا نهاية لها مع أنّه محصور في الأبعاد ، والابعاد عندهم متناهية ، فهذا نقض عليهم بما لا مدفع له .
والجواب عنه : بأنّ الانقسامات اللّامتناهية فيه بالقوّة لا بالفعل ، خروج عن الفرض ؛ إذ الفرض تركّب الجسم من تلك الأجزاء ، وهو لا يكون إلّا من الاجزاء الفعليّة ، فالّذى عابوه على القائل باصالة الماهيّة ، مع أنّه غير لازم عليه ، وقعوا فيه والتزموا به .
الدليل الخامس : [ الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي ، لا موجودة ولا معدومة ]
لهم على اصالة الوجود : ما ذكرت : ثمّ من الوفاق في بيان صفاتها وتعريف أوصافها ، أن ليست الماهيّة إلّا هي عند ذاتها ، إشارة إلى قولهم :
الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي وادّعى المستدلّ ، الاتّفاق على هذه العبارة ، حتّى من القائل باصالة الماهيّة ، وضمت إليها فيما هو المشهور على الألسنة عبارة أخرى تفسيرا لها ، وهي قولهم : « لا موجودة ولا معدومة » ، وإليه أشرت بقولي :