قالوا لزوم السّبق في العليّة * يوصّل الوجود لا الماهيّة
لما نفى تشكيكها أعداد * إذ تستوى في ذاتها الأفراد
وما به تفاوت إن دخلا * في النّوع فالفاقد ليس داخلا
وإن خلا عنه استوت لكن صدق * في الشّيء من شيء بأنّه سبق
الذهن ، مفهوم الوجود ، وما في العين ، حقيقة الوجود .
فلينظروا فيها ؛ اى في الماهيّة أيضا بتلك العين الّتي نظروا بها في الوجود ، وكيف جاز لهم ان ينظروا فيها بعينين ؟
فان قالوا : إنّ حقيقة الوجود لا يمكن تحصّلها في الذهن ، فليكن كذلك في تحصّل الماهيّة أيضا .
[ الدليل الثالث : أن الوجود قابل للتشكيك ]
الدليل الثالث لهم على تأصّل الوجود : أن بعض المفاهيم مقول بالتشكيك ، ولا تشكيك في الماهيّة عند الكثير أو الأكثر ؛ فلا بدّ من فرض المتأصّل وهو الوجود ، لأنّه قابل للتّشكيك . وقد أوضحت عن هذا الدليل بقولي :
قالوا : لزوم السّبق في العليّة ، يؤصّل الوجود لا الماهيّة ؛ يعنى ، أنّ سبق العلّة وتقدّمها على المعلول ، لازم ومعتبر بالوجدان والاتّفاق ، وهو مقتض للتّشكيك ؛ لأنّ صدق الكلّى على المتقدّم ، سابق على صدقه على المتأخّر ، وصدقه على العلّة ، سابق على صدقه على المعلول ، فيحصل التشكيك بالأوّلية والأسبقيّة ، فلا بدّ من القول بتأصّل الوجود لقبوله التشكيك دون الماهيّة ، لما نفى تشكيكها أعداد وطوائف من الحكماء ؛ إذ تستوى في ذاتها النّوعيّة ، الأفراد كلّها ، فإنّ الأفراد كلّها متساوية في وجدانها للحيثيّة الذاتيّة للماهيّة ، وإلّا لم تكن افرادا لها ، فيلزم صدقها على الجميع أيضا بالسّوية .
وبرهنوا على ذلك أيضا : بأنّ التشكيك لا يمكن إلّا مع وجود ما به التفاوت بين الأفراد ، أو خارجا عنها ، وحينئذ فنقول :
وما به تفاوت إن دخلا في النّوع ، فالفاقد له ليس داخلا في افراد الماهيّة ، وهو ظاهر وإن خلا النّوع عنه ، فقد استوت الماهيّة بالنّسبة إلى الجميع من دون تشكيك ، لكن من المعلوم أنّه صدق في تولّد الشّيء من شيء آخر ؛ كما لو اخذت نار من نار ، بأنّه ؛ اى الشّيء المتولّد منه ، سبق على المتولّد ، والسّبق من خواصّ التشكيك