تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الأمة إلى معارف الأئمة — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
والذهن قد ينشى وقد يصوّر * إنشاؤه ما أوجد التفكّر
تصويره في ثابتات العين * يصوّر الّذي يرى بالعين
بل شأنه هنا المحاكات فقط * فما ترى العين حكى ذاك النّمط
فالذّهن تابع هنا للبصر * والعين لا تبصر غير الصور
وليس للذّهن من الأحضار * فالنّار فيه غير تلك النّار
ولا له الإيجاد والتكوين * وإن يكن فهي لها قرين

[ الموجودات الذهنية على نوعين ]

ثمّ إنّا لا نقول بأنّ كلّ ما في الذهن ، صور عكسيّة ، للأعيان الخارجيّة ، بل نقول : إنّ الموجودات الذهنيّة على نوعين : منها : ما هو من منشأته ممّا لا وجود له في الخارج ؛ ومنها : ما هو صورة عكسيّة اقتباسيّة من الخارج ، وإليه أشرت بقولي : والذهن قد ينشى وقد يصوّر ؛ فامّا إنشاؤه ، فهو ما أوجد التفكّر من الصور الجزئيّة الغير الموجودة ، أو الأمور المعقولة ؛ وامّا تصويره ؛ اى اخذه وجذبه صور الأشياء ، فإنّما هو في ثابتات العين يصوّر في وعائه ، ما هو الّذي يرى بالعين ، فيكون نقشا وتمثالا لما رآه ، بل شأنه ؛ اى الذهن هنا ؛ اى في تصوير ما يراه المحاكات فقط ، فيحاكى ما شاهده البصر لا غير ؛ فما ترى العين حكى ذاك النّمط ؛ فالذّهن تابع هنا ؛ اى في مقام تصوير الخارج والمحاكات عنه للبصر ، فكلّ ما يراه البصر ، فهو يحاكيه ، والعين لا تبصر غير الصور ، فالذّهن لا يحاكى ولا ينقش إلّا تلك الصور ، ولا يكاد يمكنه تصوير الحقائق والماهيّات بما هي خارجيّة ، إذ لا سبيل له إلى تصويرها إلّا من طريق البصر ، وهو محدود بالصّور ، وليس للذّهن من الإحضار والنّقل ، ولا هو من شأنه بان يحضر الذوات والماهيّات ، مجرّدة عن حيث الوجود العيني أو معها ، وينقلها من العين إلى وعائه . فالنّار المتصوّر الموجودة فيه ، غير تلك النّار الموجودة في العين ، فلذلك لا تؤثّر اثرها ، ولا له ؛ اى للذّهن ، الإيجاد والتكوين ، بان يكوّن النّار ويوجدها في وعائه حتّى يترتّب عليها آثارها ؛ وإن يكن ذلك ، فهي ؛ اى النّار الذهنيّة لها ؛ اى للنّار العينيّة قرين ، لا عينها ، فتلك نار أوجدها ربّها ، وهي نار أوجدها الذهن ، وغاية القرينيّة والمماثلة ، ان تكونا كنار في دار زيد ، ونار في دار عمرو ، فلم تكن هي هي بعينها بل هي مثلها ، فإذا لم يكن للذّهن شأنيّة الإحضار ولا الإيجاد ، لم يبق لها الّا التصوير والمحاكات .