والدفع : أنّه من المصادرة * ولا وفاق فيه ممّن أنكره
وإن يكن فقد نوى ضدّ العدم * وإنّ هذا الوهم أوجب الوهم
أنّ الشّرور كلّها أعدام * للملكات إذ لها القيام
بالعدمىّ وهو أيضا باطل * والشّر كالخير لكلّ جاعل
[ دفع هذا الدليل ]
والدفع : أنّه من المصادرة ، لأنّ كونه منبع كلّ خير أوّل الكلام ؛ إذ هو مبنىّ على كونه متأصّلا ؛ فمن يرى الماهيّة متأصّلة ، يراها منبع كلّ خير دون الوجود ، ولا وفاق فيه ممّن أنكره ، وحكاية الاتّفاق على الإطلاق مرمية بالكذب أو بالتوهم ؛ كما قلت :
وإن يكن وفاق من المنكر أيضا ، فقد نوى من الوجود ضدّ العدم ، وهو الثبوت المطلق ؛ يعنى ، ان كلّ شيء وجوده خير من عدمه ، فوجود الشّيء من حيث هو وجود ، خير محض « 1 » ، فتوهّم المستدلّ منه وحمله على المعنى الّذي عنده ، من كون الوجود منشأ للآثار ، وكيف يقول ذلك من يقول باصالة الماهيّة ؟ والقول به يستلزم القول باصالة الوجود دونها .
هذا ، مع أنّه لو ثبت الاتّفاق المطلق ، فليس إلّا فرض غير مبرهن ، ولا دليل لهم من العقل عليه ، وإنّ هذا الوهم أوجب الوهم ؛ اى الغلط ، وهو أنّ الشّرور كلّها أعدام للملكات ، لا وجوديّات ؛ إذ لها القيام بالعدمىّ ؛ اى الماهيّات ، فإنّها على القول بتأصّل الوجود ، عدميّة اعتباريّة ؛ والمقصود ، أنّهم حيث قالوا بأنّ الوجود منشأ كلّ خير ، وهو خير محض ، وقالوا أيضا بأنّ الماهيّة ، عدميّة ، اعتباريّة ، ولم يكن غيرهما شيء منشأ للآثار ، فاضطرّوا إلى أن يلتزموا في الشّرور بانّها اعدام ، فلا حاجة إلى علّة ومؤثّر ، أو يكفى في علّتها الماهيّات ؛ لأنّ العدم يصحّ ان يكون علّة للعدم وهو أيضا باطل .
هامش
( 1 ) . كيف يصحّ ذلك ؟ فإنّ الافعال الوجوديّة للبشر كلّها وجود ، فالقتل وجود ، والزنا وضرب اليتيم والإلقاء في النار وغير ذلك من الفواحش والمنكرات ، كلّها وجودات ، خصوصا على القول باصالة الوجود ؛ فانّه ليس سوى الوجود ، فلو كان الوجود خيرا محضا ، لم يقبحه العقل ولم ينه عنه الشرع ؛ وتأويلها بالعدم كما اوّلوا القتل ، تأويل ، بارد ، فاسد ، لا يقبل الجميع ذلك ، ولا يبقى بعد ذلك ما يذمّ العبد عليه ويعاقب ؛ لأنّ الّذي فعله ، كلّه خير على الفرض ، والّذي هو شرّ ؛ اعني ، عدم الحياة ، ليس من فعله . فان أجيب : بأنّه من تسبيبه ، خطاء ، لأنّ اذهاق الروح من فعل اللّه وفعل اللّه لا يكون بتسبيب العبد .