حيث الوجود ، فإنّه واحد ، وان نظر إلى الموجود من حيث الموجود لا من حيث الوجود ، فهو كثير ، وفي عين الكثرة أيضا واحد ، إذ ليس إلّا وجود واحد . وهذا قول صدر المتألّهين بل عرفائهم الشّامخين ؛ كما قيل .
ولكنّه عند التحقيق ، لم يأت بشيء حاسم للأشكال أو مصحّح للمقال أو ممتاز عن سائر الأقوال ، بحيث لا يحتاج في توضيحه إلى تلك الأمثال ، بل لم يأت إلّا بألفاظ مبهمة مجملة ، وحدة في كثرة وكثرة في وحدة . وليت شعري ما ذا يريد من الكثرة ! فإن كان يريد بها الكثرة الحقيقيّة الواقعيّة ، فهذا خروج عن الوحدة الحقّة الحقيقيّة ، وان أراد محض الاعتبار في نظر النّاظر ، فليس قولا في قبال الأقوال ؛ إذ الكلّ قائلون به على الإجمال ، ومع ذلك فليست هذه الكثرة بحسب النّاظر من الكثرة في الموجود الّتي قال من بعده ، أنّ الفرق بينه وبين غيره ، أنّهم قائلون بوحدة الوجود والموجود ، وهو قائل بوحدة الوجود وكثرة الموجود ؛ وأنّه غير ذوق التأله الّذي قال به الداماد من وحدة الوجود وكثرة الموجود ، لأنّه يقول بكثرة الموجود بمعنى المنسوب إلى الوجود ، لذهابه إلى أنّ تحقّق الكائنات بالماهيّات ، وهذا يقول بكثرة الموجود في عين وحدة الوجود .
وقد مثّل له السبزواري ( على ما حكى عنه في حاشيته على الأسفار ) ، بالعكوس الواقعة في مرايا متعدّدة لإنسان واحد ، فإنّك إذا كنت محتجبا عن العاكس ونظرت إلى العكوس تريها متعدّدة ، وإذا نظرت إلى العاكس وترى العكوس بما هي آلة حاكية ، فهي واحدة ، فالوجودات إذا لاحظتها بما هي مضافة إلى الحقّ سبحانه بالإضافة الإشراقيّة ؛ اعني بعنوان أنّها اشراقات نوره ، لم تكن خالية في ظهورها عن ظهوره ، وإذا لاحظتها أمورا مستقلّة بذواتها ، كنت جاهلا بحقايقها ، إذ الفقر ذاتىّ لها . » انتهى .
ولا ادرى أنّه توضيح وتمثيل واقعىّ لما قال له الصّدر ، أو انّه من التفسير بما لا يرضى صاحبه ؟ حيث انّ السبزواري قال بعد ذلك : « فالوجود حقيقة واحدة ؛ ذات مراتب متفاوتة بالشدّة والضعف ونحوهما . . . » وعلى هذا ، فليس ما قاله الصدر الّا مذهب الفهلويّين ، الّذي اختاره السبزواري ؛ غاية الأمر أنّه عبّر عنه بلازمه ؛ اعني الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة ، الّتي عرفت أنّ هذا لازم كلّ من لم يصرّح كمحيى الدين بالعينيّة .
هداية الأمة إلى معارف الأئمة — صفحة 413
مساهمون: ابو جعفر محمد جواد الخراساني
ص٤١٣