فاتّحد الخالق والمخلوق * ذاتا ويبقى السّبق واللّحوق
ومقتضاه ، رفع الاثنينيّة * من ذاك قيل وحدة عينيّة
وذا خلاف العقل والوجدان * مخالف الإسلام والأديان
وإذ تولّدوا على الإسلام ، ، * وأظهروا الإقرار بالأحكام
محالة اتّحاد الخالق والمخلوق ؛ كما قلت :
فاتّحد الخالق والمخلوق ذاتا ؛ اى بحسب الذات والحقيقة ، ويبقى في الوجه الفارق بينهما السّبق واللّحوق ؛ اى محض كون أحدهما سابقا والآخر مسبوقا ، كالنّار المتخذة من نار أخرى ؛ فإنّ الحقيقة فيهما واحدة والذاتيات متّحدة ، والفارق : أنّ الأولى سابقة ، والثانية لاحقة ؛ والأولى علّة ، والثانية معلولة .
ومقتضاه ؛ اى مقتضى الاتّحاد ، رفع الاثنينيّة ، إذ الامتياز والاثنينيّة بالماهيّة ، وهي عندهم اعتباريّة ، فالوحدة الواقعيّة الحقيقيّة إذن عينيّة من ذاك ، قيل : وحدة عينيّة ، والقائل محيي الدين العربي ، حيث قال : « الحمد للّه الّذي خلق الأشياء وهو عينها » . وذا ؛ اى الاتّحاد ، خلاف العقل والوجدان ؛ فإنّهما قاضيان بان الخالق غير المخلوق ، والمخلوق غير الخالق ؛ وأنّ الخالق ليس في رتبة المخلوق وحدّه ، ولا المخلوق في حدّ الخالق ورتبته ؛ والمخلوق حادث والخالق قديم ، فلو كانا متحدين في الهويّة ، فامّا ان يكون الخالق حادثا ، لأنّه من سنخ المخلوق الحادث ومن جنسه ، أو المخلوق قديما ، لأنّه من سنخ ما هو القديم ؛ ثمّ لا يمكن القديم ان يخلق ما هو من سنخه لان سنخه لو كان قابلا للخلق لم تكن ذاته إذن بالذّات .
[ قول الاتحاد بين الخالق والمخلوق مخالف للشرع والعقل ]
فهذا القول مخالف للعقل والوجدان ، ومخالف للإسلام وساير الأديان أيضا ، فإنّ البينونة من ضروريّات الإسلام عند أهله ، ومن ضروريّات كلّ دين أيضا ، حتّى عند القائلين بالوحدة ؛ ولذلك ترى أهل الإسلام ، يرمون القائل بالوحدة بالكفر والزندقة ؛ وترى القائلين بالوحدة ، يعدون الرامين قشريّين ، وهم معترفون بأنّ الضرورة الظاهرة من الإسلام ومن كلّ دين ، هي البينونة .
[ تأويل القول بالوحدة ]
وإنّما يصحّحون قولهم على الباطن والتأويل ، ويدّعون أنّ الوحدة لمّا لم تكن مفهومة للعوام ، لم يأمر بها الإسلام وغير الإسلام ؛ ولكن هؤلاء ، إذ تولّدوا على الإسلام ، ونشئوا فيه ، وأظهروا الإقرار بالأحكام لسانا أو اعتقادا لرسوخ الفطرة فيهم