تكلّموا بعقلهم في كلّ شيء * وأنّ الأشياء من أي ولأىّ
حتّى انتهى البحث إلى التكوين * فالكلّ قدّروه بالتّخمين
فقيل : إنّ الأصل والمبدأ له * نور وظلمة فكانا أوّله
وقيل : شمس نبذت فلائذا * وقيل : ذرّات ، وقيل : غير ذا
وقيل : إنّ أصله الوجود * بحتا ومنه انتشر الموجود
فيما هو بزعمهم مخصوص بفنّهم كاتّباع أهل الصنائع للشّرائع ، فهؤلاء حيث اكتفوا بالعقل في طلب الحقائق عن وحى السّماء ، إمّا لعدم الاعتقاد به ، أو زعما منهم أنّه ليس من شأن أهل الوحي ، وأنّ هذا ممّا يمكن الوصول إليه بالعقول ، فلا حاجة فيه إلى الرسول ، وأن بعض ذلك ممّا لا يقبل التعبد لتقدّمه عليه ثبوتا وتوقفه عليه اثباتا .
وكيف كان ، فحيث طلبوا الوصول إلى حقائق الأشياء بقدر الإمكان ، تكلّموا بعقلهم في كلّ شيء ، واحدا بعد الآخر ، وتكلّفوا في أنّ الأشياء من أي ولأىّ ؛ اى تكلّموا في كلّ شيء أنّ أصله وتكوّنه من اىّ شيء ، وأنّه لأىّ شيء من الخواصّ والطبيعة ، ولاىّ غاية من الغايات ، وهكذا انجرّ كلامهم وتكلّموا في شيء بعد شيء ، حتّى انتهى البحث ، والكلام لهم إلى التكوين نفسه ؛ يعنى ، في أصل تكون الكائنات ومبدأ تكوينها ؛ فخاضوا فيه وغاصوا ، ولم يمكنهم التحقيق لغموضه ، فالجأهم إلى الفرض والحدس ، فالكلّ قدّروه ؛ اى فرضوه بالتّخمين ، فصاروا شيعا واحزابا ، كلّ حزب بما لديهم فرحون .
[ أقوال الفلاسفة في مبدأ تكوين الكائنات ]
وهذه نتيجة فروضهم وتخميناتهم :
فقيل : إنّ الأصل والمبدأ له ؛ اى للتكوين ، نور وظلمة فكانا أوّله ؛
وقيل : إن المبدأ شمس نبذت فلائذا جذاذا ، فتكوّنت منها السّماء والنّجوم والأرض وما بها ؛
وقيل : إنّ الأصل ذرّات كانت في الفضاء ، فاجتمعت وتألّفت واختلفت فتولّدت منها الأشياء ؛
وقيل : غير ذا من الوجوه المنقولة عن أربابها في الكتب والأساطير ؛
وقيل : إنّ أصله ؛ اى التكوين ، الوجود ، بحتا ؛ اى الوجود البحت البسيط ، ومنه انتشر الموجود كلّه . وهذا هو الّذي نعتنى بدفعه ، لأنّه ضلّ فيه من ضلّ ممّن يدّعى