تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الأمة إلى معارف الأئمة — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
المثبت للصّانع له . وقد أشرت إلى كلّ واحد منها بقولي : من ذاك أن ليس له دليل يثبته ، ففرضه واحتماله عليل ، إذ ليس في الآثار ما يخصّه من الأثر ، بحيث يقال هذا اثر ذلك الزائد ، لأنّه صنعه ، والّذي نرى من موجودات العالم ، مشتركة في دلالتها على وجود صانع لها ، وامّا ان يكون على وجه يظهر منها أنّ هذا لصانع ، وذاك لصانع ، فلا علامة ولا دلالة . والّذي يدّعيه الثنويّة من الخير والشرّ ، نأتى عليه - إن شاء اللّه . ولا تعرّف له ؛ اى اظهار المعرفة لنفسه وابرازها ، بان يعرّف نفسه بوجه من الوجوه ، ولا خبر من مخبر صادق يخبر عنه ، لم يتعرّف هو في آياته ، بان ينزّل آية خاصّة : من تكوين أو تشريع أو بيان أو كتاب ؛ ولا تعرّف أيضا ببعثه لنا دعاته ورسله يدعون إليه . وإلى جميع ما ذكر ، ينظر قول أمير المؤمنين ( ع ) في وصيّته للحسن ( ع ) : واعلم يا بنيّ ! إنّه لو كان لربّك شريك ، لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت آثار افعاله وصفاته ؛ ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه ، لا يضادّه في ملكه أحد ولا يزول ابدا . » « 1 » فهذا الكلام منه ( ع ) ، ليس كلاما خطابيّا ظنيّا ، ولا أراد به دعوى اجماع الأنبياء والاستدلال به ، بل هو استدلال قطعىّ ، مبنىّ على ما حقّقناه . ولا إليه حاجة فنهتدى بها إليه ، ونستدلّ من طريق الحاجة عليه ؛ كقصور الواحد مثلا ، بان تبيّن لنا قصوره عن الصنعة بوحدته ، فالزمتنا الحاجة إلى اثبات غيره معينا له ، ولا اقتضاء في دليل الصانع المثبت له ، يقتضي كونه زائدا على الواحد ، فإنّ الدليل ليس إلّا الآيات والآثار ووجود العالم المصنوع ؛ وهي لا تقتضى إلّا لصانع ، محيط ، جامع ؛ فإذا أمكن فرض صانع بهذا الوصف ، لا داعى لفرض الزائد . وبعد تماميّة عدم الدليل من جميع الوجوه ، فالعقل قاطع بأن لا عين له ، كما لا اثر له ، لفقد كلّ شاهد تعقّله واحتمله . هذا ، والغرض أيضا من الإقرار بالزّائد كالإقرار بالواحد ، ليس إلّا الطاعة للمقرّ له ، والعبادة له ، وهي لا تثبت إلّا بالطّلب ، فإن يكن للرّبّ ندّ لطلب ؛ كما طلب الرب ، فهذا أيضا من الشّواهد على عدمه . وإلى فقدان هذه الشواهد كلّها ينظر قوله تعالى :
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
. « 2 » وقال
هامش
( 1 ) . البحار 4 : 317 / 41 . ( 2 ) . المؤمنون 23 : 117 .